وصايا أمي بقلم عزيز الزروال من المغرب.

الأميون لا يبحثون عن علمهم وأسرار الكون في الكتب؛ بل في صفحات الوجوه وخفايا القلوب، وما يومض في العيون والقلوب… كذلك كانت أمي تقرأ خطوط الوجه ونبرة الصوت وحركة العيون، كانت تملك قدرة عجيبة وغريبة على اختراق خبايا البشر، كل الذين حذرتني منهم كانوا أشرارا بما يكفي رغم إظهارهم عكس ذلك. ومن كانت تفتح لهم قلبها أوصتني أن أقترب منهم دون خوف. فتساءلت كثيرا عن سر أمي وحدسها وعلمها المتواضع بالناس والأحوال والزمن… لم أكلف نفسي البحث والنبش في سرها، لكن كان إيماني وثقتي بعلمها كثقتي بالمسلمات العلمية والكونية التي تعلمت داخل المدارس. وهكذا تعلمت منها أن الطريق إلى الحقيقة لا تمر فقط من كتاب أو تجربة، بل للأميين علمهم الخاص بهم وحقيقتهم الصادقة. وفي أحايين كثيرة خانني علمي وقواعده، وأنصفني ودلني علم أمي وشروطه، ولم أندم يوما عن أمر اقترفته بقدر ندمي على تضييعي وصاياها، حينما كانت تخبرني بلغة قريبة إلى الأمر منها إلى النصيحة ” اترك فلان أو فلانة ولا تسمح لقلبك باحتوائهم فطريقهم شائك…”. هكذا كانت أمي ومازالت تحب الله والله يحبها، وحين يحبك الله يمنحك قبسا من علمه ونوره، فأمي تنام باكرا وتستيقظ فجرا لأداء الصلاة، تخبز خبزنا اليومي بحب، وتطعم دجاجاتها كأطفال صغار، كثيرا ما وجدتها تتحدث إلى دجاجاتها، فكنت أسالها قبل أن أتوقف عن ذلك، بعدما أقنعتني أن كل ذي روح يسمع ويتكلم، وقلائل من يعرف ذلك. ولأمي حديقة صغيرة قرب البيت، بها ورودا وشجيرات صغيرة ونباتات أعرف اسمها وأخرى لا أعرفه. وكانت توصيني دوما بأن أرافق الذين يزرعون فهم يحبون كل الناس. وسأخبركم أن شجرة البرتقال الصغيرة بحديقة البيت أثمرت حبتين سقطت واحدة وأكلتها العصافير، وذلك نصيبها حسب قولي أمي، والحبة الأخرى تصدقت بها لطفل صغير كان يبكي بأحضان أمه وهي مارة بقرب البيت. فأمي تعشق الأطفال وكل أطفال القرية يعرفونها وينادونها ” جدتي ” دوما جيبها عامر بقطع الحلوى، توزعها في طريقها وهي ذاهبة لزيارة بيت من بيوت الجيران. وقد صرني أني كلما كنت راجعا إلى قريتي أن أشتري كميات من الحلوى، لأني أعرف أن أمي تكون سعيدة حين تمنح طفلا صغيرا قطعة، وكل ما يفرح أمي أفعله دون تفكير. لهذا كنت أصدق كل ما تقوله أمي، وأعرف أن الحكمة يمكن أن تخرج أحيانا من أفواه البسطاء هي كل أمالنا للخلاص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*