رواية: “هلوسات ترشيش” للرّوائي: حسونة المصباحي. مقال نقدي لشوقي الصّليعي من تونس.

يقول سارتر عن طبيعة اللغة والكلمات بأنها زلازل، ويقول نيتشه طالعت ما كتب الآخرون ، فلم يأسرني إلا ما كتب الانسان بدمه، فها هي لغة المصباحي تطل بجنونها الفني الماكر من كل تفاصيل المتون، في هلوسات ترشيش، فهي معول لدّك المفاهيم القائمة، معول يعضد الحكاية، المونولوج، تجربة الرّحلة، بلغة تتسرّب كالماء دون أن تعلن عن نفسها خبريا فهي تستحوذ عليك بتفاصيلها الشريانيّة الدقيقة، فتقوم بتفكيك وإعادة هيكلة الواقع حسب منظور تقني أسلوبيا ودلالي بلاغيا، ونفسي سياسيا، فإلى أي مدى كانت سطوة اللغة أداة لخلق العالم وهي تقوم بنقضه.؟

تنطلق الرواية بالبحث والسؤال عن موضع الولادة، وفي ذلك رمز للبحث عن موضع الانبعاث ايضا، هل هو في القراءة؟ أم في الترحال؟ أم في غموض المدينة، أم في الحب وتجربة الحسّ، أم تراه انصهارا في صحراء البدايات والمطلق. حيث لا وجهة ولا موضع.؟

ينتاب البطل ذلك القلق الوجودي الخلاق وحب المعرفة، فيغازل الجغرافيا والمكان، فهذه الجبال وهذا درب الماعز، وكأنه هنري ميللر في عملاق ماروسي وفتونه باليونان. وهذا ” الدرب الطويل “، في إشارة خفية الى كفاح ماوتسيتونغ. وهذا هو “الدرب الأحمر”، في إشارة قد تكون “للمحصول الأحمر” وتلك العذابات الطويلة في رواية جورج أمادو.

لكن الراوي الشيخ الاشهب، يذكر الاعاجيب عن درب الابل، وفي ذلك كناية ” الابل ” على الفكر الاصولي الذي ينتشر خلال الغزوات والترحال لتصدير العقيدة، التي قد تكون ضالة أحيانا. ومن أجل ذلك تضرب أكباد الابل.

لم تعد المدينة تشفي تطلعاته فهو الاين العاق للبداوة إلا في لعنة الترحال الابدية، فيقول “الغربة لا تكون الا غربية.” فطوّف في طول العالم وعرضه. حتى شاخت روحه. فلامس شعوبا وحضارات حتى صار هو الجغرافيا، وقطب الكون بما جمع من جماليات ومعرفة، وكان خلال عودته يلاحظ تغير ملامح المدينة حيث يعشش الخوف في كل الامكنة. لعله يخشى أن يناله مصير بطل القصة القصيرة “المارق” في مجموعة المنفى والملكوت لكامو التي وجدها في يد السائحة الفرنسية. وهل سيقطعون لسانه، فينمو له ألف لسان ليحكي دوما أوجاع وطنه. وهو يستمع الى تحذيرات سائق التاكسي في مدينته التي أنكرها. فالجواسيس في كل مكان فهذا عامل النزل ينتزع منه الاجوبة المشبوهة. والشواطئ بالليل مريبة. حتى صارت تطارده الاشباح في كل موضع. بل ربما هم الاصوليون الذين يكرهون الفنون ويلقون بتهديداتهم لجميع من يخالفهم الرأي. وقد انتشرت الجريمة والارهاب… وتفشى المرض… وانقلب بعض الشيوخ الى الفسق مما يذكرنا ببطل رواية الخالدي الملامتية.

حتى التاريخ الفني للبلاد حبيبة مسيكة صليحة كان تاريخا دراميا. وهذه جماعة تحت السور يحل بها الخراب، فالعريبي قد انتحر في باريس والدّوعاجي مات بالسّل، وهاهو يسين صديق رحلته قد انتحر بدوره. لما لقيه من تضييق وتعذيب. وقد انقلبت المفاهيم فهذا التروتسكي صار مدير بنك. وحتى زينب التي أحبها الجميع وكتبوا فيها القصائد قد اختفت فجأة. وهي تعيش حياة مترفة، والهزائم تتوالى من الداخل والخارج مع العدو الصهيوني. والاعلام يخادع الجماهير الى الرّمق الأخير. في مجتمع يبدع في صناعة الوهم وتقديس الرّموز.

إن دقة اللغة في رواية هلوسات ترشيش، تنطلق من العتبة الأولى، بتشخيص الحامل للهلوسات من الشخص الى فضاء مكاني، وهي تذكرنا برواية “أشياء تتداعى” لتشنو أتشيبي، التي ترصد تلك التحولات التي تعلن عن نفسها في وجهين للمفارقة الاستعمارية، غير أن وجهي الحقيقة، كانا في هلوسات ترشيش مندمجين إلى خاتمة العمل، وذلك هو الخيار الاستراتيجي الذي اعتمده خالق النص. باشتغاله على منظور نفسي حيث يتداخل الذاتي والموضوعي، فهذا التداعي القائم في تفاصيل وقائع الرواية حدا بالمؤلف لانتقاء صفحة الماء الراكدة في روح الجماعة لتتجلى من خلال الأنا الراوية فتشع وتعكس عمق المجهول من الذات العربية المُغرّبة، في هذا الماء العكر، وقد قام باسقاط ماهو نفسي يخص البطل على الجمعي الذي يرمز له بالفضاء المكاني ترشيش وما جدّ بأهلها، من قديم التاريخ.

فهي في الختام هلوسات المدينة ذاتها، أمام واقع موضوعي يتعلق بتناقضات حقبة من الزمن الهزائمي الداخلي والخارجي فيما يخص الأمة بأكملها ليصور سيرورة الأمال السّياسية لدى المثقفين في تحولها الزمني المتشعّب وصولا الى المفاصل الكبرى ” صدام أجهزة الدولة بالنقابات” وما قد انجر عنه من ضحايا لا يحصون، حيث الصيرورة العدمية التي تعصف بالشخصية ذات الملامح الثقافية والاديولوجية. فتحوّلها إلى كائن عصابي يتكشف عن هلوسات وكوابيس وطموحات زائفة، إنها كوابيس المدينة حيث يتفشى الخوف والجوع واللاطمأنينة. فالجميع من أجل عبادة الفرد. حيث الدكتاتورية بؤرة مظلمة تبتلع الآخر وتدفعه الى الجنون، فحسب تعبير غاستون باشلار، ” تكفي بقعة سوداء واحدة عندما نتأملها أن تغرقنا في محيط من الظلمات، وهو الشيء ذاته الذي يجعل مرسيا الياد يتصور الزمن بلون أسود لأنه بلا منطق ولا رحمة. هذا الزمن الذي أفقد الرّحلة الوجودية للبطل مغزاها الكوني. وقذف به في حلقة مفرغة في مدينته التي غاب عنها طوال عشريّة، هاهو يحل بها كالغريب، وقد تحولت بالموت والاختناق وانعدام الحرية الى مدينة شبه مقفرة.

إنها قرية الاشباح التي يعود إليها بطل رواية خوان رولفو ” بيدرو باراّمو ” ليسأل عن أصله ومكان مولده،… فهو أيضا ينطلق بمحاورة أمه عن أصله ونسبه، يعود البطل الراوي عبد الفتاح الذي لا يكاد يذكر له إسم في النص الذي تجلّى كسيرة ذاتية تخييلية، لكنّه لم يلتزم قاعدة الاعلان عن الاسم الحقيقي للكاتب، ليجد التاريخ يلعب لعبته الأزلية، لعبة الصدام العقائدي من عهد صاحب الحمار إلى زمن راهن، فكانت تلك التهويمات المونولوجية بين الحاضر والأزمنة البعيدة، فالخمر والندمان والخمارات التي كانت ملجأ المحبطين أو الآملين، وما توحي به من سكر روحي، وربما صوفي، وكأنّه يستحضر قول الشيرازي:

في شارعِ الغَزَلِ المُشَجَّرِ بالقصائد
أَوْقَفَتْني عندَ حانتكَ العتيقةِ
آهةٌ نشوَى يصعِّدُها الغَرَامُ
فطرقتُ بابَكَ
والمدى حولي عناقيدٌ من الأسرارِ
ملءَ بواطنِ الأشياءِ
شَيَّبَتِ العقولَ .. وكلُّ عنقودٍ غُلاَمُ

هاهو يشيب ولكن ليس من الخمريات والعمق الصوفي الذي شيّب العقول في خطاب الشيرازي الشعري، بل من القمع والدمار والخراب، إنها الأرض البوار لتي آس إليوت، وقد آلت الخمارات التي ترمز للسّكر هي واللغة والحروف إلى مقابر هي والمكتبات. وسيطرت فكرة الانتحار والكساد والموت والعظيم.

يقول مرسيا الياد:

” لقد تم العثور على رمزية الموت برغبتنا الشديدة في تدوين التاريخ من خلال عبارات مستمدة من الميثولوجيا الشعبية “

فالحكاية تقصّ لنا سيرة عاشق مجنون بالكتب والمطالعة، وكأنه قد صار بعلمه الضحية والقربان الذي سوف يلفّ خريطة العالم ليعود، وكأنه ضرب من الآلهة يحمل في دواخله فكرة أممية، ويكون عينا راصدة للحق فكان هو الضحية، وكان هدفا مرصودا بالباطل.
يقول مرسيا الياد: ” في أول التاريخ جرت التضحية بكائن إلهي كي تتغذى الدرنات والاشجار المثمرة على جسده وتغوص روحه تحت التراب في مملكة الأموات.” ولكن هذه المملكة توغل في موتها وتميت هذا الاله الذي نذر نفسه من أجل المجموعة. فالأفيون الوحيد الذي يبرك على المدينة هو الخوف والسّلطة والسّير نحو المجهول.

وهاهو البطل المحبط يعود على نقطة البدء الآولى، وإن بدا مهزوما لكنّه منتصر بسلطان اللغة التي شيدت صرحا حكائيا بالغ القيمة، وهو يستقبل روح الصّحراء، ويخوض حلّه الفردي في ذلك الفضاء البكر الذي انطلق منه وكأنه قد صار هو الفردوس المفقود، وكأنه حنين العالم الحديث الخالي من الجوهر، الذي يرمز اليه البطل المثقف الرّحالة، وهو يتنصّل من تجاربه الوجودية العدمية، راغبا في العودة الى الرّحم الأول النقي في ذلك الهامش الذي يحمي روحه من المدنس، ليكون النص مغلقا ودائري التقنية، وقد أختار البطل بإرادته موضعا مفتوحا ومطلقا يُبعث منه أو فيه يموت. بعد أن قد يئس من العثور على موضع ولادته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*