قراءة تأملية في قصيدة:”المدينة التي تنام داخلنا” للشاعر التونسي المتألق أنور بن حسين بقلم الكاتب محمد المحسن من تونس.

لعلّ الإحساس بالأسى في زمن-ظللنا فيه الطريق إلى الحكمة-يشكّل أبلغ محفّز للأداء الكتابي،بإعتباره يمثّل إنقلابا حادا في سياق الحياة الإنسانية وعلى كل المستويات،الزمان والمكان وأبعاد شخصية الإنسان وتداعيات تحولاتها على مستوى الأحداث التي مرّت وتمرّ به.كما أنّ-الأسى-يحرّض لدى الشاعر موجهات جديدة لمواقفه إزاء الوجود .مما يفضي به إلى إتخاذ أو تبني رؤى وتطلعات تتباين في مديات إندياحاتها الفلسفية.وذلك بنسب تأخذ بالإزدياد صوب العمق والبلاغة كلّما تتوغّل المواجع في ضراوتها وتزداد وعورة تضاريسها.
غير أنّ درجة حساسية الشعور بالأسى تتباين من إنسان إلى آخر تبعا لمرجعياته المعرفية ومديات إنغماره في سبر أغوارها أفقيا وعموديا.وهذا ينسحب أيضا على مستوى الكتابة الشعرية.فكلما كان الشاعر يمتلك ثراء معرفيا معززا بتجربة شعرية،كلما تمكّن من إنتاج نصوص تداعب الذائقة الفنية للمتلقي وتدفع به إلى إعادة قراءتها لإكتشاف الفسح التي تمنحها إياه لمزيد من التأويل المفضي إلى إنتاج نصوص ما بعد القراءة.فكيف بنا والشاعر أنور بن حسين الذي انبجس من مدينة شاعرة/حالمة-سوسة-ونهل من -غيمها-الماطر،تمرّس على الكتابة الإبداعية على ضفاف البحر كما على تخوم المواجع،وتعلّم بالتالي هضم الأسى الذي ينتاب الشعراء أثناء تحليقهم في الأقاصي،بمخيلة أضراسها المعرفة.
“يكبر الشوق في الأزقة والشوارع
الأرصفة الجريحة تعرف صوتي
المدينة التي لم تطأها قدماي يوما
كأني على أسفلتها ضريحا
و كأنها إيقاع ناي على جناح أشرعتي
رقصة ترتعش في نبض وردة
أسطورة تفلت من سحر السطور
تولد لغة من العبث والشتات..
لا تخلو قصيدة الشاعر التونسي المتميز أنور بن حسين (المدينة التي تنام داخلنا) من بعد مجازي تتلاقح عبره دلالات النص الشعري وتتوالد لتمحص الهم الشعري،والرؤية الغدية،في إرتقاء من الذاتي إلى الجمعي ،ومن المحلي إلى الدولي،وتتوالى الصور المجازية،والإستعارية،بأساليب يتعرى من خلالها عالم الشاعر الشعري،فيعرض الضيق النفسي،والواقع المر المكبّل بظلام الحاضر،والمدثر بنار الإنعتاق،ويصاعد الضيق والحرج بالنفس حتى تصرخ: “نموت ونحيا…
نعود من تحت التراب نسيما يعبق بالحنين
أو حروفا صلبة تولد في الغيب أغنية
تمطر صهيل الرصاص
نؤجل المصير إلى النفخة الأولى
لنا الأتي …لنا الغيب
لنا رب يحمينا
اقرؤوا تعاليم السماء
اقرؤوا وعد بلفور مرة أخرى
اقرؤوا إنجيلكم, توراتكم, وتعاويذكم
وأخرجوا لنا جملة تعيدكم إلى تاريخنا
لنركس،بهذا التوجّع،في تاريخ المشهد العربي المترجرج،ونسمع صداه لدى المسلم الأوّل:”متى نصر الله” ويجذبنا بعد الصور المجازية،والإستعارية وإدراكها،بما تخلقه من مفأجأة القارئ بإنعتاقها من عقال الوهم،وبجنوحها الموغل في الغرابة والتخييل،بما يشبه ما أسماه”إمبسون”بالنمط السادس من أنماط الغموض،حيث المخالفة قائمة بين وضع الصورة في النص،وبين وضعها في الذهن،لأنّها تتخطى توقيع علاقات محسوسة،ومعقولة،يعيها المتلقي،إلى البحث عن إيجاد علاقات يمثل اللاوعي مصدر تشكيلها الوحيد،تجوز من خلاله المرئي والمسموع والملموس،والمعقول إلى الحلمي والوجداني،حيث تبدل معاني الألفاظ غير معانيها،وتتلبس بالسياق،لتنبجس منها علاقات متعددة،ومختلفة نحو التناقض الذي يولّد الإنسجام..ومما راقني في هذا القلب وهذا الكشف قول الشاعر:
“غزة برد يطوف حوله أوار من حطب الفجيعة
سحابة تخمد خيفا ينفخ سموم الغابرين
الطريق جلي كما نراه
والسراب يفضح عيون العابرين
فما سلككم إلى أسوار مينودا؟
تتوسلون بحرها والقوافل
عناقيد العنب على بلاط هيلاريون
شقف الفخار على التل القديم
والصليب المعقوف في المقام المقدس
غزة أبواب موصدة
لا يدخلها من يدنو خلسة من أبوابها
هل أفشي لكم سرا من أسرار المدينة ؟
وفي أثناء هذا النشاط النصي والنموّ الشعوري تتخلّق اللغة الشعرية بتخصيص خصائص نصية علائقية من خلال حركة ذات أهمية قصوى في البناء الشعري،تتفاعل فيها العديد من الآليات والمؤثثات الشعرية تتغيأ إنتاج رؤية للمحيط والخارجي.وتتعمّد تفعيل الإنفعال في الآخر..
ما من شك إنّنا نواجه شاعرا ذا فطنة ودراية بالشعر.شاعر ناهض-المواجع-ولم يستسلم لوحدته.فقد حرّض القلم كيما يكون أنيسا له
“السماء تحمينا
و ما تحت النديم ينادينا
لكم أشيائكم وصواريخكم
فاخرجوا من أشيائنا وعطرنا
من صلصال رفاتنا الموغل في القدم
نرنو إليكم من الأزل
نجمع رصاصكم في هواء أهوائنا
نرسم به قدسا نراها ولا ترونها
هي المدينة التي تنام داخلنا
رائحة الياسمين تغسل أجسادنا عند الفراق
تلك هي فلسفته الداحضة للإغتراب والمواجع..”والجدير بالذكر أنّ معرفة المعجم الشعري للتجربة يساهم بوضوح في كشف عوالمها الداخلية،كما يسهم في تلمُّس معالم رؤياها ذلك أنّ اللغة مقرُّ كينونة الأشياء”(1)”،وأنّ الوجود يكتشف فقط من خلال اللغة،ويبدأ وجوده عند الإنسان لحظة كشف اللغة عنه كما يقول هيدجر”(2):”والدراسة الإحصائية تضع أيدينا على بعض الترددات ذات المغزى،والتي تسهم في رصد المحاور التي يدور عليها الخطاب”(3).والملاحظ أنّ المتن اللغوي للقصيدة التي بين أيدينا شأنها شأن الشعر الحديث عامة تغلب عليها مفردات الوجع والغربة والخواء والإستباحة والقهر والإستبداد…
بعد ما تقدّم يمكن القول إنّ أنور بن حسين كان عارفا بأهم ميزات قصيدة النثر،فبنية القصيدة الداخلية والخارجية تقوم على التنوّع في الإيقاع واللغة والسرد والشخوص.هي عالم من وحدة نقائض-هدم وبناء-وتنوّع في الصيغ الشكلية والإشراقية وعلى كل المستويات.وهي بالتالي إنجاز إبداعي يتسوّر محراب المعاناة والواقع المؤلم ويقدّم في ذات الآن حلما باشلاريا عبر صور وعلاقات شعرية وثنائيات وأضداد،وإيقاعات سردية وفنية تركس في الماضي وتعمّق الإحساس بالحاضر وتستشرف المستقبل.
وقصيدة”المدينة التي تنام داخلنا”بهذه الصورة تنم عن دراية ومران كتابي من جهة،ومع فكرة الشعر من جهة أخرى،وليست فكرة الشعر سوى الأرق والسؤال،نحسهما في كل كلمة،في كل نبضة،في كل صورة،في كل قصيدة،فيوحدنا مع الشاعر قلق الصور وبلاغة الشعر بمنآى عن التقليد المفتعل المثير للشكوك،والذي درج عليه الطارئون..

محمد المحسن

الهوامش:
1-)المرايا المحدبة/305/للدكتور عبد العزيز حمودة.ط1 الكويت 1998.
2-)المرايا المحدبة/153-154/.
3-)تحليل الخطاب الشعري/60/ط 1 الدار البيضاء 1968.الدكتور محمد مفتاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*