هي ذي بيروت ..مجللة بالوجع..وقد أرخت جدائلها في سكوني ..بقلم الكاتب محمد المحسن من تونس.

كيف يمكن للغة أن تنجو من لغوها،وهي يحك بعضها بعضا،في محاولة -بائسة-للتعبير عما انطبع وينطبع في الذات من مشاعر وخواطر،يثيرها ويركض أمامها حدث الرّوح اللبناني الأعظم: الدمار؟!كان جرحها الغائر وانفجارها الهائل زلزالا،خلخل حالة الإستنفاع السياسي والإجتماعي وحتى الثقافي في الوطن العربي،وبالرغم من الإنحسار الذي أصاب”الظهير” إلا أنّ الموت كدينامية كاشفة وفاضحة أسقطت جملة أوهام دفعة واحدة،وهْم الشقيق اللدود،والحليف غير المأمون والإركان إلى سلام أنكى من أية حرب.وإذن..؟أعترف إذا بأنّ دموع بيروت المنسكبة على خدها النحاسي جردتني من أدواتي اللغوية والبلاغية جميعها،ومسحت بممحاة مأساتها كل ما حفظته من كلمات وتعابير،وما خزنته من أسماء وتشبيهات،وأوقفتني هكذا مذهولا مبهوتا،أما جرحها الدامي..!ولكن..النّاس ينتظرون من الشاعر مثلا،أن يقول ويكتب!وهو في داخله يحس أنّ مهمته هو،دون غيره! وكأنّه راسخ في وهمه أنّ حركة التاريخ،وسيرورة الواقع،ورياح التغيير مرهونة بما سيسيل به قلمه على لوح الأقدار المكشوف،هذه المرة،لا المحفوظ ! وكأننا ما نزال ننظر إلى صراع وجودنا نظرة شاعرية،تستبدل الحركة والفعل الناتجين عن الدرس والتحليل والرصد الموضوعي،بإنثيالات عاطفية،وتهويمات مدغدغة،وبلاغات لفظية،لا تعمل على تحويل الدّم إلى حبر فحسب،بل أيضا على تحويل الشهادة إلى رمز،والألم البشري إلى مجاز،والفجائع اليومية إلى استعارات وتوريات..!والسؤال الذي ينبت على حواشي الواقع: هل تعدّ قصائد الشعراء وكتابات الكتّاب وخطابات الخطباء محاولة في تخفيف ألم الجراح،أم أنّها ليست سوى تعويض مرض عن العجز عن كشف المستور وتعرية الواقع ؟وبسؤال مغاير أقول: هل من شأن هذه الكتابات في مثل حدث جلل كهذا أن تسهم في تضميد الجراح وإنقاذ الجرحى والمعطوبين،أم أنّ جدواها تقتصر على تحرير ضمير كاتبها من وطأة الإحساس باللانفع،وإراحة ضمائر متلقيه من الرهق الذين يرين عليها،بسبب ما تعانيه من شلل شامل..؟!وحين يستعمل أحدهم لغته لتصوير أشلاء ممزقة ومنثورة على الأرصفة والطرقات أو نظرة غضب أو مصرع طفل أو نواح أم…هل يكون في روعه أنّ صوره أصدق وأبلغ وأبعد أثرا من صورة الحقيقة التي رآها عيانا،أو عبر ما تبثه أجهزة الإعلام وشاشات التلفزات..؟!أكتفي بأن أتابع المشهد.أنام وأصحو لأحصيَ عدد الشهداء،وأرى-بعيون دامعة- الدّم اللبناني مراقا وعلى الجنائز تخبّ في مشهد قيامي مروّع بإتجاه المدافن.من أيّ موقع،إذن،أتكلّم ويكون لكلامي معنىً أو ثقل ؟هي ذي لبنان اليوم مجلّلة بالوجع ومخفورة بالبهاء…سلام هي بيروت..وأختم بمقطع من قصيدة الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش أهداني إياها الشاعر التونسي الألمعي جلال باباي:
.لبيروت سلام..ودمعتين ����✒جلال باباي(تونس)لم يكن هذا الموتيعني شيئا للماٌرينسلْة البحارة كانت تحمل على غير الأيام السابقة خبزا وياسمين/ميناء المدينة لا يخلو من قاطنيهلقد ” رتبوا أحلامهم…. وناموا واقفين”(*) /غيٌب السحاب ضوء الصنوبرةلم يبق إلاٌ…نجم من رمادونار غادرةقد ارتدٌت دما بالوريدين/لبيروت سلام… ودمعتين.—————————-

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*