قراءة في قصيد “السرطان” للشاعر عبيد العياشي بقلم الكاتب أنور بن حسين من تونس.

قصيدة تبرز صراع الذات مع الاخر . الاخر الذي لا ينسجم مع ذات المتكلم في القصيدة .فمنذ الوهلة الاولى يضع الشاعر نفسه في علاقة أفقية مع عدوه اللدود “كأني أنا انت ” فالصراع متواصل ولا يوجد غالب ولا مغلوب وكأنها حرب ضروس لايرضى الشاعر لنفسه الا ان يخرج منتصرا . فطينة هذا العدو تختلف عن باقي الاعداء و حتى عن الأصدقاء :
و تسهرُ ليلي معي
لا تُنادمُني كالنّدامى
و لسْتَ كمنْ عزّ مِن أصْدقائي
إِذا زارَني وجعٌ.. زارَني
و إنْ هدّني، هدّهُ
و تناخَى عليلَا .
يستعمل الكاتب الأسلوب الانشائي بتوظيف ضمير المخاطب “أنت” فيهجو غريمه و يقزمه ويضعه في مرتبة دنيئة لا ترقى الى مستوى الرجولة فهو خصم عاهر ونذل ونذلوحقير حتى يصل الشاعر الى درجة الانفعال ورغم ان الانفعال غير محبذ في اللغة الا أن صدق لحظة الكتابة يجعلنا نعيش الحالة التي تتملك الشاعر وتدفعنا ان نتقاسم معه اوجاعة وألامه ومعاناته.
أنتَ يا صاحِبي.. عاهرٌ
أنتَ نذْلٌ وضيعٌ و محْتَقرٌ
لا تحبّ سوى ذكَري
فاعلًا فيكَ ..
يهدأ الشاعر فجأة ويتحدث من منطلق قوة وحزم فيستهزأ بالمرض الذي يمثل خصمه العنيد فهو لا يخشاه وقد جاءه غازيا.فالشاعر لا يخشى الغزاة لأنه يغزو بشعره وفنه أعتى الخصوم وأشدها .وبذلك يعود بصيص الأمل الى الشاعر الذي لا يستسلم بسهولة :
تَعالَ أقاتلْك بالفن،
حتّى إذَا متّ مِنْ طعْنةٍ منكَ ..
كنتَ أنتَ القتِيلَا .
هكذا يمر الشاعر من الضعف الى القوة ومن الوهن الى العظمة ومن الخنوع الى التمرد . وهذا ما بدا جليا من خلال توظيف حرف السين الدال على المستقبل “سآتي إليْه عَلى المُتَقاربِ ركْضا”, “سَتأخُذَني جسدًا هامِدًا” .
فالقصيدة تصبح سلاح الشاعر الفتاك فيتحكم في ركضها ومدى سرعتها وكانه يحيلنا بطريقة غير مباشرة على ايقاع القصيدة الذي هو على بحر المتقارب وكما نعرف ميزة بحر المتقارب انه بحر ايقاعي وأن اغلب الاغاني الوطنية و الاناشيد تنظم على هذا البحر لما فيه من قابلية على حمل الحماسة والأصوات الصارخة التي تخرج من الأعماق. في النهاية يجمع الشاعر نفسه ويدرك انه أقوى من المرض الذي لن ينزع الحب منه .لأن الحب أو حب الحياة يمثل الطاقة التي تدفعنا كالجاذبية الى التمسك بالأرض.

One Reply to “قراءة في قصيد “السرطان” للشاعر عبيد العياشي بقلم الكاتب أنور بن حسين من تونس.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*