رسالة من عجوز خرف..! قصة قصيرة بقلم لكاتبة آمال مصطفى كمال بن عبد الله من الجزائر

رسالتي لكِ أيتها البرعمة الصغيرة الناعمة الجميلة، والتي بدأت توا في التفتح على عالم واسع وقاس، مغر وغامض، ضحك لك تارة وعبس في وجهك تارة، واجهك بحقيقة مريرة في سنك يا صغيرة، لا يمكنني الجزم بعلمي وادراكي المطلق لكل معاناتك صغيرتي، لكنني أدري يقينا بأنك في مهب ريح عاتية، أذكر جيدا يوم بحت لي مرّة في رسالة مشفّرة بأنك تفتقدين لوجود أسرة تمنحك الحب والحنان  والحضن الدافئ والتفهم، ورغم أنك تخفين عليّ دموعك كلما لمحتني أتجول مع كلبي غير أنني اكتشفت سرّ تلك الدموع خلف ابتسامتك الرقيقة، فأنت تفتقدين لصديقات يصنّ الودّ والوفاء والثقة، ورغم قساوة الحياة وقبحها غير أنك لا زلت تحافظين على جمالك الداخلي.. لا تزال ابتسامتك طفولية بريئة كملاك نزل من السماء، لقد اكتشفت ذلك يوم اهديتك جروا صغيرا ومن شدّة فرحك تلألأت دموعك وأنت تُقبلينه وبعفوية سألتني عن اسمه فطلبت منك أن تسميه أنت لأنه ملكك ولا أحد يحق له أن يسميه غيرك، كانت فرحتك يومها كفرحة أمٍ أنجبت أول أطفالها، محتارة أي اسم سيناسبه، من خبرتي في تربية الكلاب دعيني أخبرك أن كلبك الصغير أحب الاسم الذي اخترته له صدقا أقول هذا، أخبريني كيف هو الآن ؟ 

تذكرين خوفك من رفض والديك له يومها؟ 

لقد تراجعت عن أخذه وانقلبت فرحتك لحزن شديد، حتى أنك جعلتني أندم على اندفاعي في اختيار هذه الهدية، خطوت مبتعدة لكن الجرو لحق بكِ وتشبّث بطرف ثوبك، وهذا ما جعلني يومها أسمح لنفسي لأن أكون وصيا على علاقتكما وأمسك بيدك لأقابل والدك وأقنعه بأن يسمح لك بتبني الجرو الصغير.

سألتني بعدها كيف اقنعته بسهولة، خاصة وأنه يعتقد بأن تربية الكلاب في البيوت شيء مكروه أو ربما محرم، وأجبتك بأنه سر لا يمكنني الكشف عنه .. ضحكت وقبلتني قبلة خاطفة وقلت لا يهمني معرفة هذا السر، المهم أنك استطعت اقناعه، ومشيت تتبخترين وتلعبين مع الجرو، يومها أبهجتني رؤيتك تنطلقين حرة  كفراشة بين الزهور أيتها الصغيرة، تعلمين ما كان إقناع والدك بالشيء المستعصي فإن للكلمات سِحرها ومكرُها الذي تَفرِضه على المُتلقي..

كل هذه المقدمة ولا زلت أجهل الدافع لكتابتي لك، ربما افتقدتك بعد أن فُرض علينا الحجر الصحي، تعلمين خوفي من المرض جعلني لا أبرح بيتي إلا للتبضع من حين لآخر، كما أن وضع الكمامة لأمر شاق عليّ يُشعرني بالاختناق، لذلك كنت ولازلت دائما أرفض تكميم فمَ كلبي، ففي النهاية هو كلب لطيف رغم كبر أنيابه التي تخيف أطفال الحي.. سواك طبعا!

أيتها الصغيرة..

أصابني الأرق ليلة أمس، فشاشة التلفاز على وسعها واختلاف محطاتها كانت تعرض فقط أرقاما.. ولا شيء غير الأرقام.. فكلما غيرت محطة أجد فيها إما  إحصاءات المصابين والمتوفين بالوباء اللّعين، وإما عدد الجرحى والقتلى جراء الحروب والانتكاسات، وإما أعداد الحلول لمعادلات رياضية لطلبة الصف النهائي، أطفأت التلفاز هروبا من كآبة الأرقام تلك، ورحت أجر قدمي نحو منفاي القديم، عكفت على كتابي أقلب بين ثناياه عما يشبهني، لطالما كنت أصبر على وحدتي بكثرة القراءة منذ رحلت عني رفيقة دربي، فأصبر وأتعزى.. ووصلت الستين، تقاعدت واشتريت رفيقا أستأنس به و يملأ عليّ وحدتي.

مرة أخرى أصبر وأتعزى.. وأزداد ارتباطا بكلبي، إلى أن وصلت خمسة وستين سنة، فَرِحت وقلت ها قد جاء دوري وسألتحق برفيقتي، لكن أصبح همي كيف أترك حيواني من بعدي، ولمن أتركه؟ 

فدعوت الله في كل صلاة أن يطيل من عمري لأجله،  خمس سنوات يـا ابنتي يذهب فيها الليل ويطلع فيها فجر جديد وأنا أنتظر الموت ولا أنتظره! إلى أن  حلّ بنا الوباء، فكنت أول من ذهب إلى الصيدلية لاقتناء لوازم الحيطة من معقّمات ومطهرات وبعض الأدوية حرصا على صحتي وعافيتي..

 أليس الأمر مضحكا أن أتشبث بالحياة من أجل حيوان؟

ما أشقاني صغيرتي..

 مكابرة أعضّ على جراح ركمتها السنين، ولا أزال أضحك وأنا أكتب لك ..

أضحك عليه فقد علقت قدمه بستار النافذة فتشقلب على رأسه، كان مشهدا ظريفا ومضحكا للغاية..هاهاهاها

أعلم بأنك لا تزالين صغيرة، ولا تستوعبين بَعد مفارقات الحياة، المضحكة المبكية، فلا يهزك لا الموت ولا الولادة، ولا مشهد الكلب وهو مشقلب على رأسه يجعلك تضحكين وتضحكين ومن شدّة الضحك تبكين دون أن تعلمي سبب ذلك!

لا تزالين صغيرة وأنا…أنا الشيخ الهرم الذي لم يبق له سوى بِضع ضُروس وبَعض دُروس، يجلس  الآن وبعنجهية يكتبها لك عبر هذه الرسائل المملة..

دون أن يعرف سبب ذلك !

كما ينبت العشب بين شقوق الصخر أحاول أن أكتب لك..

أكتب لك أحيانا كجدٍّ عَجز عن الافصاح فتعَكزَ على قلمه ليفضفض، وأحيانا أكتب كصديق لا يخجل من تعرية ذاته أمامك، وأحيانا كرفيق لا ينتظر منك أكثر من الإصغاء والقبول..

 في البداية توهمت بأنك أنت من هي بحاجة لمساعدتي،  لكنني يوم قررت أن أكتب لك ما أكتب أدركت مدى حاجتي إليك، قد تصابين بخيبة أمل صغيرة وأنت تقرئين هذا،  لكن صدقيني أيتها الصغيرة ما أحوج الآباء لاحتواء أطفالهم، وأنا….أنا الجدّ العجوز لأحفاد ثلاثة شاء القدر أن يبعدهم  عني ويبعدهم عن تخريفي،  ووجدت فيك صورتهم، لا أعرف شيئاً عن كيفيَّة نشوء العواطف أو تبدل الأحاسيس، فليست لي درايةٌ في علم النفس، أو الطبّ النفسي.. ولم أحاول ولو لمرة القراءة  لفرويد مثلا، لكن ما أشعر به اتجاهك هو نفسه ما أكنه لأحفادي، وهذه حقيقة ولست بخارف، فأنت بمثابة الماء الذي يبرد نار حنيني لهم، ثلاثة أحفاد أولهم ربما يكون في مثل سنك، لم أنعم بقربهم البتة.. فلا داعبتهم في صغرهم ولا أنا حظيت بحبهم وتقديرهم وهم كبار، هم خارج الوطن بعيدون هناك في الضفة الأخرى، قد يتبادر إلى ذهنك بأن ولدي عاق وهذا طبيعي جدا لكنه لا، هو ليس  كذلك، فحكم وظيفته هي التي فرضت عليه مغادرة الديار، هو يمارس واجبه معي باتصاله عبر الوات ساب كل أسبوع تقريبا، أتواصل مع أحفادي وأطمئن على أوضاعهم، لكن  هجره يؤلمني ويضنيني، خاصة بعد تقاعدي، لا تفهميني بالشكل الخطأ، فالأمر ليس له علاقة بالمال أبدا، فهو يرسل لي مصروفي كل شهر زيادة على معاشي الذي أتلقاه من وظيفتي السابقة، فماديا يمكن أن أقول لك بأنني ميسور الحال والحمد لله،  ما يؤرق صفو حياتي ويعكر صباحاتي أحيانا، أقول أحيانا فقط ، هو استفاقتي من كوابيس مرعبة، فتارة أراني غارق في بحار هائجة تلطمني الأمواج، أصيح وأصرخ ولا أحد يسمعني فيبتلعني بطن البحر، وأحيانا أخرى أختنق بقطعة لحم ولا أحد معي غير كلبي الذي لا يستطيع أن يمدني حتى بشربة ماء فأموت اختناقا ويموت هو بالتبع جوعا وعطشا،  ثم لا  ينتبه لغيابنا حتى نتعفن وتنتشر رائحتنا الكريهة المقززة، هذه الكوابيس تفطنت لسببها وأمسيت لا أثقل من الأكل بعد الغروب وأخرج للهرولة كل ليل مع كلبي وهكذا تخلصت من إزعاج الكوابيس نهائيا.

  آه يا ابنتي…

كم هي مؤلمة هذه الصورة.. صورة الموت وحيدا فقط مع حيوان لا حول له ولا قوة..

كم هو مؤلم هذا الشعور..

الشعور بالوحدة والعجز يقتلاني،  فلا الوباء يخيفني ولا الحجر يضايقني فقط أحيانا أحتاج لأنيس بشري أكلمه فيجيبني حروفا،  فأنا أكلم  كلبي وغالبا ما يجيبني بطريقته طبعا، ما أحوجني للحروف يا بنيتي، أعتقد جازما لولاه لما  زدت خمسا فوق الستين ولما كتبت لك هذه الرسالة طبعا، فقد صدقت الدراسة التي قالت أن تربية الكلاب تحافظ على الصحة الجسدية للمربي والنفسية كذلك  لذلك فأنا أتنبأ لك بعمر طويل..  طويل جدا أيتها الصغيرة.

اظنني تعبت من الكتابة وحان موعد نومي، حكم الكبر..  

آه.. تذكرت قد علمت منك فيما سبق بأنك تقرئين  لجدتك الكفيفة كتبا وجرائد، فهل تقرئين عليها رسالتي هذه علها تزيل عنها ملل الحجر الصحي وتدخل لقلبها بعض السرور..

قبلاتي صغيرتي..

#توقيع_عجوز_خرف 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*