تِلكَ اللَّيلةَ… ‏قَصِيدَةٌ تَتَمَزَّقُ ..! بقلم الشاعر ميشال سعادة من لبنان.

تِلكَ اللَّيلَةَ _
‏تَشَتَّتَ جَسَدُكِ نِثَارًا
‏على أرصِفَةِ المَدينَةِ الغَافِلة
‏شَعرُكِ كاللَّيلِ أشعَثُ
‏ ولا لَيلَ
‏إلَّا في نَسِيجِ الذَّاتِ
‏سَوَادٌ وِشَاحُ هَذَا القَمَرِ
‏والنُّجُومُ هُرُوبًا إلى مآقِيهَا
‏غَابَةٌ أنتِ
في الغَابَةِ حَرَاكٌ
في اللَجَّةِ تَجَاذُبٌ وانجِذابٌ
‏إنعِطافٌ
‏يُفَِاجئُ الطُّيُورَ العَائِدَةَ

‏ طَرِيقٌ يَتَشَعَّبُ
‏ ولا لِقَاءٌ
‏وِجهَةُ سَيرٍ صَاعِدَةٌ
‏ هَابِطَةٌ
‏كأنَّمَا الحَيَاةُ سُلَّمٌ
‏دَرَجَاتُهُ مُتَفَاوِة ..

2

تِلكَ اللَّيلةَ _
‏ما غَصَنَكِ عَنِّي حتَّى بَوحٌ
‏على وَجهِ الماءِ
‏جَسَدٌ لا يَتَصَالَحُ معَ الجَسَدِ
‏ فَوضَى تَتَرَجَّحُ
‏ولا انعِكاسٌ لِضَوءٍ شَاحِبٍ ؟

3

ماذَا دَهاكِ ؟
‏كيفَ عَينَاكِ تَستَقِرَّانِ وَاحَتَينِ ؟
‏دَآدِئُ تُخَالِطُ السُّكونَ
‏ولا رَاحَةَ لِنَفَسٍ تَقَطَّعَ
‏ لِضَحِكٍ
‏أو لَهوٍ على الضِّفَافِ
‏يَمسَحُ وَجهَ ماءٍ رَكُودٍ
‏ماءٌ لا لَونَ لهُ
‏لا طَعمَ لَهُ
‏كيفَ لَهُ يَكونُ جَوهَرَ هَذَا الوُجُودِ ؟

‏4

تِلكَ اللَّيلَةَ _
‏حَرَكاتٌ عَشوَائِيَّةٌ
‏تَغلِفُهَا عَاصِفَةُ العَدَمِ
‏أمَارَاتٌ تُمِيطُ اللِّثَامَ عن وَجهٍ
‏ذِي هَمٍّ وانكِسَارٍ
‏نَظَرَاتٌ بَهلَوَانِيَّةٌ
‏ ولا قَرَارْ
‏ولا أرضٌ ولا جِدَارْ
‏مَدَارٌ يَغلِفٍ المَدَارْ
‏والجَسَدُ خُطُوطٌ مُتَعَرِّجَةٌ
‏ لَولَبِيَّةٌ
‏أسلَمَ النَّفَسَ لِرِيحٍ هَوجَاءَ
‏ للغُبَارْ
‏غَبَشٌ يُشَوِّشُ هَذِي الرُّؤيَةَ
‏جَسَدٌ ظَنَّ مَأوًى _
‏هُنَا .. هَنَاكَ
‏على حافَّةِ رَصِيفٍ
‏ غَيَّابًا غَوَّرَ
‏في هَدأةِ المَحَارْ

‏5

تِلكَ اللَّيلَةَ _
‏ضَحِكٌ يُكَركِرُ
‏لَعِبٌ طَوشٌ .. طَوَافٌ
‏ولا ابتِسَامَةٌ لِقَرِيبٍ أو غَرِيبْ
‏ولا وَهجٌ لِوَهجِ الكَلامِ
‏عَينَانِ على غُنَاجٍ غائِرَتَانِ
‏يَدٌ تَكشِفُ العُريَ لِمَجهُولٍ
‏مُرجإٍ حَبِيبْ
‏وَجهٌ يُوَاجِهُ لَعنَةَ السُّقُوطِ
‏صُرَاخٌ في المَهدِ مَخَافَةَ اللَّحدِ
‏لَحدٌ مَوسُومٌ على الجَبِينِ ‏
‏وِلادَةٌ مُشَوَّشَةٌ ..

‏6 ‏
‏ ‏ ‏
تِلكَ اللَّيلَةَ _
‏ضَجيجٌ يَعلُوهُ ضَجِيجٌ
‏ولا سُكُونٌ مُحتَمَلٌ
‏جُنُونٌ يُواكِبُهُ جُنَونٌ
‏أيُّ دَوَاءٍ يَشفِي حُبًّا عَلِيلًا ؟
‏صَدِّقِينِي _
‏حَيَاةٌ مُعَطَّلَةٌ
‏إقَامَةٌ مَزعُومَةٌ
‏عَصَافِيرُ تَكنُسُ مَلاعِبَ الشَّجَرِ
‏وَجهٌ يَتَّسِعُ .. يَلبَسُ وُجُوهَ الأرضِ
‏يَستَعطِفُ حَبَّةَ ماءٍ ..

‏7

تِلكَ اللَّيلَةَ _
‏رَقصٌ .. إيمَاءاتٌ
‏حَرَكاتٌ تَمُوجُ في مَسَاحَةٍ ضَيِّقةٍ
‏تَضِيقُ المَسَاحَةُ لانعِتَاقٍ مُنتَظَرٍ
‏كأن حَلَقَاتُ الذِّكرِ هيَ
‏ولا نَشوَةٌ إلَّا معَ الحَجَرِ
‏ولا سكَرَةٌ غَيرُ سَكرَةِ الغَبَاءِ
‏ولا حُبٌّ في المَدَى القَرِيبِ
‏ضَيَاعٌ يُسكٍنُ الضَّيَاعَ
‏يُقِيمُ في الشَْتَات ..
‏هَبَاءٌ ولا رَجَاءٌ في أُفُقٍ أغبَرَ
‏خَوفٌ يُعَطِّلُ لُعبَةَ الحَيَاةِ
‏حَيَاةٌ في غَابَةِ الأشوَاقِ
‏مَخَافَةَ رَقِيبٍ أو حَسِيبْ
‏حَيَاةٌ أسوَارُهَا تَعَجُّبٌ واستِفهَامْ !

‏8

تِلكَ اللَّيلَةَ _
‏شَقَّ عليكِ الأمرُ .. ضَمَمتِ الرِّيحَ
‏غَالَبتِ عَاصِفَةً
‏والصَّقِيعُ على الشَّفَتَينِ
‏نَزِيفّ مُقِيمٌ
‏كَتُبتِ على تَجَاعِيدِ الرَّصِيفِ
‏قَصُائِدَ دُونَ حُرُوفٍ
‏بِدَمِ الشُّجُونِ كَتَبتِ
‏رَسَمتِ خَفَرَ المَعَانِي
‏رَصَفتِ الخَطوَ دُونَ سُطُورٍ
‏أشعَلتِ شُغَفَ العُيُونِ
‏على رَقصِ جُفُونٍ مُسَهَّدَة
‏للتِّيهِ ألقَيتِ سِلاحًا
‏ولا بَيتَ يَسكُنٍ البَيتَ
‏حِينَمَا الجُنُونُ مَسرَحٌ للظُّنُونِ

‏9
‏ ‏ ‏
تِلكَ اللَّيلَةَ _
‏كان الرَّقِيبُ وَحِيدًا
‏يَشهَدُ مَوتَكِ الأجمَلَ على نَارٍ ضَعِيفَةٍ
‏ولا صَاعِقَةٌ تُذَرِّي دَمًا على الزُّجَاجِ
‏وعلى النَّافِذَةِ
‏ولا مَاءٌ لِغُلَّةٍ
‏تَغَلغَلَتِ فيكِ الرِّيحُ وَأنا
‏من ثُقُوبِ المَوتِ أشهَدُ
‏غِيَابًا على نُعَاسِ أورَاقِ الشَّجَرْ
‏تَسَّاقَطُ الأورَاقُ حَيَارَى يَبقَى
‏الضَّجَرُ ارتِعَاشًا على وَجهِ الحَجَرْ
‏كم تَمَنَّيتُ أرَاكِ تُولَدِينَ
‏من بَرَاعِمِ الغَدَاةِ
‏من عِنَاقٍ لَحظَةَ التَّكوِين !

‏10

تِلكَ اللَّيلَةَ _
‏وَكٍلَّ لَيلَةٍ
‏تَمُوتِينَ ظَنًّا أنَّكِ تُولَدِينَ
‏تَتَأَوَّهِينَ .. تَتَبَعثَرِينَ حَيرَى
‏تُحَاوِلِينَ جَمعًا للشَّتَاتِ تَسقُطِينَ
‏في مَهدِ المَدَارْ
‏تَنشُدينَ إِشعَالَ نَارٍ في مَملَكَةِ المَوتِ
‏تُضِيئِينَ فَنَاءَ غُرفَةٍ بارِدَةٍ
‏عَلَّ مَوتًا يَستَكِينُ على شِفَاهِ الفَجرِ
‏أو على مُحَيَّا عَاصِفَةٍ حَرُونٍ
‏أو على حَرَكَاتٍ بَيضَاءَ سودَاءَ
‏رَعنَاءَ تَعَطَّلَت مَكابِحُهَا ..

‏11

تِلكَ اللَّيلَةَ _
‏أضَاءَ
‏ المَوتُ
‏ ضَوءًا
‏ يَنُوسُ على الأرضِ

‏أرضٌ خِرَابٌ يَحرُسُهَا البُومُ
‏عٍشَّاقُهَا غُربَانُ

‏وَرَأيتُكِ عن مِيتَةٍ جَدِيدَةٍ تَمُوتِينَ
‏تَبحَثِينَ وتَبحَثِينَ عن صَيدٍ ثَمِينٍ
‏في نَسِيجُ رَمَادِيٍّ
‏ولا امتِلاءٌ .. ولا ضِيَاءٌ
‏ولا نَكهَةٌ شُهوَى
‏كأنَّ الحُبَّ يُنبُوعُ مَوتٍ جَاهِزٍ
‏يُطَاقُ ولا يُطاقُ
‏أو كأنَّ الحُبَّ عَوُاصِفُ هَوجَاءُ
‏على غَوَارِبِ الماءِ

‏12

تَلكَ اللَّيلَةَ _
‏مُمَدَّدَةً رَأيتُكِ على هَوَاءٍ أُرجُوَانِيٍّ
‏يَدَاكِ أغصَانٌ
‏وَجهُكِ بَرَاعِمُ
‏تَنتَصِبِينَ ولا انتِصَاحٌ
‏تَنشُدِينَ التَّدمِيرَ جَذلَى
‏وَجهُكِ وَجهُ الأرضِ
‏ولا معنًى ‏
‏والبَحرُ مَلعَبُ نُسُورٍ ضَوَارٍ
‏ولا نَورَسٌ يُضِيءُ صُورَةَ الوَجهِ
‏مَاتَ وَجهُكِ
‏ماتَت صُوَرٌ
‏دَفَنتِ المَعَانِي في مَرَايَا مُحَدَّبَة !

‏13
‏ ‏ ‏
تِلكَ اللَّيلَةَ _
‏لَزِمتِ الفِرَاشَ
‏لا نَومَ .. لا فَرَاشَ يَحُومُ
‏على زَهرٍ نَدٍ
‏لا نَحلَ يَمتَصُّ رَحِيقًا
‏عٍشبٌ كَثِيفٌ يَلتَفُّ يَابِسًا
‏لا نَهرٌ ولا ضِفَافٌ
‏طَحَالِبُ تَنمُو حَيثُ الماءُ رَذَاذٌ
‏…………….
‏…………….
‏وَتَغِيبِينَ عن حُضُورٍ لافِتٍ
‏ولا ابتِسَامَةٌ تُضَوِّئُ الغُرفَةَ السُّودَاءَ
‏جَاذِبيَّةٌ مَعدُومَةٌ
‏قَمَرٌ ولا سَمَاءَ
‏لا عَرشَ .. ولا إلهَ
‏عَالَمٌ يَسكُنُهُ الفَرَاغ !

‏14

‏تِلكَ اللَّيلَةَ _
‏كُنتِ أسِيرَةَ مَوتٍ عَامُودِيٍّ
‏في فَضَاءٍ مَأتَمِيٍّ دَفَنتِ الرَّأسَ
‏في غَابَةٍ ‏
‏زَيَّنَ العُنُقَ ذِئابُ اللَّيلِ
‏ضَخَّتِ العَينَانِ رِيحًا
‏في مَوتُى عَابِرِينَ
‏في قَصِيدَةٍ تَنزِفُ مَعَانِيهَا

أنتِ وأنا
‏والشَّجَرُ العَارِي
‏تَحتَ المَطَرِ
‏في ظِلِّ بَردٍ عَاطِفِيٍّ
‏كنتِ ماجِنَةً
‏ثَنَيتِ عَنِّي العَطفَ
‏ عَطفَ القَوس
في فَضَاءِ مَرَاهِبَ تَستَوطِنُ المُرَاوَغَةَ
‏ألضَّوءُ في أيدِي مُتَسَوِّلينَ
‏والنَّهدَانِ يُنيرَانِ عَطفَ الطَّريقِ
‏ولا طَرِييقٌ لِبَيتٍ أو صَدِيق !

‏15

تِلكَ اللَّيلَةَ _
‏وَجهُكِ لا نُورٌ ولا نَارٌ
‏ولا حَيَاءٌ
‏مَوتٌ صَدِيقٌ
‏والحَيَاةُ خَوَاءٌ

وأنا _
‏في حَيرةٍ من أمري
‏هل أنتِ مَيتَةٌ حَقًّا
‏أم بالمَوتِ تَلعَبِينَ ؟
‏حُضُورٌ دُونَ لَهَبٍ
‏دُونَ فاكِهَةِ الشِّتَاء ..
‏تَتَمَزَّقِينَ قَصِيدَةً في مأتَمٍ مَهِيبْ
‏مَوتٌ في الضَّحِكِ
‏عَوِيلٌ في الصُّرَاخِ
‏وعلى عَتَبَةِ البَيتِ بُكاءْ
‏لا إكليلَ على الرَّاسِ
‏مُجَرَّدُ خَاتَمٍ في إصبَعِ المَوتِ
‏يَمتَهِنُ كثَافَةَ والعَالَمِ ..

‏16

تِلكَ اللَّيلَةَ _
‏رَأيتُكِ يَكسُوكِ الغُبَارُ
‏شَجَرٌ يُظَلِّلُ الدَّربَ يَتَعَرَّى
‏على سَرِيرِ الرَّصِيفِ
‏صَمتٌ يَغلِفُ الإنفعَالَ
‏رَعدٌ وبَرقٌ يَفتَرِشُ عِبَابَ الأغصَانِ
‏حَاوَلتُ إمسَكًا بِكِ مَا زلتِ
‏تُهَروِلِينَ على وَجهِ المَسَاءِ نَادِرًا
‏على مَبسِمِ القَمَرِ
‏تَوَسَّلتُ قَبضَ رِيحٍ عَاصِفَةٌ
‏نَظَرَتْ إليَّ ظِلامًا
‏مَاتَ الكَلامُ ..

‏17

تِلكَ اللَّيلَةَ _
‏كُنتُ الشَّاهِدَ الوَحِيدَ على مَوتٍ
‏يَعبُرُ المَدِينَةَ اليَابِسَةَ كٍنتِ
‏تُسَابِقِينَ الرِّيحَ مَجنُونَةً كأنَّكِ
‏تَرحَلِينَ ولا عَودَةَ تَعُودُ
‏ولا مِفتَاحَ يُدَغدِغُ قِفلَ البَابِ
لَكِنْ _
‏مُجَرَّدُ مَشهَدٍ في مَسرَحِيَّةٍ
‏لن تَكتَمِلَ فُصُولُهَا
‏وَإنْ جَنَّةٌ مَزعُومَةٌ والسَّاكِنُ مَجهُولٌ
‏فالإقَامةُ في رَمَادٍ
‏يُغَطِّي وَجهَ الأرضِ ..

‏18

تَلكَ اللَّيلَةَ _
‏كان بُركانٌ يُذَرِّي رَمَادًا
‏وَنَارْ
‏لكِنَّ صَقِيعًا يَشتَعِلُ
‏وَجَمرًا وَسُعَارْ
‏يَلتَهِمُ البَشَرَ والحِجَارْ

‏في الأُفُقِ أيضًا _
‏مُجَرَّدُ انفِجَارٍ هَائِلٍ ولا في المَدَى
‏أيُّ انفِرَاجْ سَمَاءٌ دَكنَاءُ
‏ولا قَمَرْ شَاهَدتُ مَوتًا يَمُوتُ
‏وعلى البَابِ صَخرٌ ولا قَبرُ
‏كأنَّ الحَيَاةَ ليلٌ فَارِغٌ
‏تُضَوِّئُهُ القَصِيدَة ..

ميشال سعادة
15/16 أيلول 2015

‏[ من ديوان
‏ ” سَيِّدَتِي القَصِيدَة ” ]

L’image contient peut-être : voiture et plein air

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*