قراءة في قصيدة “مدينة الدمع”للدكتور عبد الكريم الأديب من لبنان بقلم الشاعرة حسناء حفظوني من تونس .

شكرا من القلب على هذه القراءة المائزة التي تدل على تمكنها من ادواتها التي ساعدتها على الابحار في عمق الرؤية النقدية بمنهجية موضوعية، معتمدة على اصول وقواعد التحليل النقدي،
وهذا ان دل على انها تمتلك رؤية ابداعية، في التعامل مع النص…

أ. حسناء حفظوني كتبت :///
مدينة الدمع” قصيدة الدكتور الأديب عبد الكريم الأديب عبدالكريم بعلبكي ملحمة حزن بيروتي على مقاس الجراح المثخنة بعد التفجيرات قصيدة حمالة مأساة ما بعدها مأساة لذلك يطالعنا بادئ ذي بدء هذا العنوان الصورة المجازية الكبرى “مدينة الدمع “فنحن إزاء تحول رهيب ههنا من مدينة الحب والفرح والجمال الى الدمع فكل ما في المدينة استحال الى نواح والاستعارة تنسحب على الغرق والموت وشمول الأحزان لكل إنسان ببيروت كائنا من كان فلا شيء غير الأحزان بجنازة وطنية كبرى ، بيروت تبكي “لا صوت لا صدى” وهذا النفي المطلق إنما مثبت من جهة أخرى للموت الزؤام
“سرقوا الصوت من الصوت
سرقوا الصدى من الصدى”
هكذا يبدو العدم جاثما منذ المطلع على القصيدة برمتها وما تبقى منها إنما تفاصيل ذلك العدم يشق عباب الفضاء دخانا ونثار أشلاء و هلع أم ثكلى تبكي فلذة كبدها تفاصيل وردت في تركيبة فنية رفيعة ذلك أن شاعرنا عمد الي قلب المعطيات فأسراب النوارس البيض بسماء المرفأ صارت أسراب موت 😪
يقول في شجرة بيروت الذاوية:
يا مدينة الدمع
تعلق على أغصانك أسراب الموت
نشيد صراخ أم ثكلى…

وهذا صوت الشاعر يبكي بيروت بعين دامعة ولكن بعين مفتوحة على عهرنا العربي المفضوح ذاك الذي أطفأ عين بيروت ليتحول نورها الي ظلام وعدم وذاك هو بيت القصيد إذ لم يكتف الشاعر بالبكاء أو الرثاء وانما بحث في الأسباب وعرى الحقيقة في تضاد رهيب
سرق العهر نهارك يا بيروت
فما ذكرت سوى هيروشيما
غرق فيك الرعب
وعلى راحتيك نام الحب والموت

إن العدم هنا ليس قدريا بل هو سليل العدم السياسي العربي في لبنان وفي كل الوطن العربي المهزوم و تلك هي القضية التي يفجرها الأديب عبد الكريم بعلبكي فسقوط بيروت كسقوط الشام كسقوط العراق كسقوط ليبيا كسقوط سياستنا العربية في وحل الخيانة والعمالة ولم يبق لنا الا بهرج السيوف الخداعة التي لا تغني ولا تسمن من جوع هذا كله نطق عنه شاعرنا بمنتهى الأختزال الشعري المكثف حين أردف :
وهناك تمثال حرية
في البحر ارتمى
والشوق إلى عينيك يا بيروت
مازال يلمع
كما تلمع سيوف المتكاثرة
بلا جدوى
وعبارة بلاجدوى اكتمال نصاب العهر العربي ومداره لذلك ختم بها الشاعر القصيدة كقفلة دقيقة الاختيار ليقف على نواة المأساة فإنما هي انعدام الجدوى
هكذا تلتحم الصور الشعرية المغرقة في الموت مع معجم العدم وغياب الجدوى مع نبرات صوت بين الحزن وبين المواجهة على مسرح القصيدة وتندمج بموسيقى سمفونية حزينة ويرتد البصر لصور التفجير صور النور أضحت رمادا في الفيديو لتتعاظم في قلوبنا المأساة البيروتية اللبنانية العربية فحواسنا السمع والبصر والضمير والفكر مشدودة كلها إلى فصول المأساة مظاهر وأسباب ومسببات..
تهانينا فهذا هو بالتحديد معنى قول أديبنا التونسي الراحل محمود المسعدي حين قال :
“الأدب مأساة أو لا يكون”
فمن رحم المأساة البيروتية أبدع شاعرنا بعمل فني متكامل فاق مستوى الإبداع شعرا وصورا وإلقاء وتصميم وجمالية إخراج الى الملحمة البيروتية الخالدة
وهكذا هو الجمال في لبنان يثمر من أرزة ميتة برعم أخضر يجاوز الفحم و الرماد والأشلاء سماد ليعلو فوق سماء بيروت يرفرف فوقه علم لبنان الحبيب منشدا المجد للشهداء..

من تونس الخضراء سلام لكم و لبيروت االحب والسلام و دمتم صوت لبنان العربي الحر يجوب كل الآفاق يشنف الاذان ويسحر الألباب ويشحذ العقول شاهدا على الحق في العصر الزور
———////——-///——-

مدينة الدمع
بقلم د. عبدالكريم بعلبكي

سرقوا الصوت من الصوت
خطفوا الصدى من الصدى

فيا صوتها المحروم من المدى

ملح قديم هب من عمق المرفأ
تناثر
شبابا ربيعا

زهور معقل مفقود
الرؤى

اجتازت أسراب الأشلاء سحابة
غمرت القرى

يا مدينة الدمع
تعلقت على أغصانك
أسراب الموت
نشيد صراخ أم ثكلى

قطع من صوتها
طفت غرقا
في بحر الردى

وأشلاء النخوة
أنسام سوداء
تحرك الذكرى

والنظرات يا بيروت
تتسلق هذا الأفق الوعر

تصور مشهدا
لا يؤرخه بكاء الأمطار
ولا يذكره فرح الشمس
في العدم المر
أدلج نهارك الأعمى

بيروت يا نورا ضائعا
في تجاويف الروح
يا سر ا مدفوناً
وراء الخوف
في اللغة القتلى

سرق العهر نهارك يا بيروت
فما ذكرت ِ سوى هيروشيما
غرق فيك الرعب

وعلى راحتيك
نام الحب والموت

وهناك تمثال حرية
في المقبرة
ارتمى

والشوق لعينيك
ما زال يلمع
كما تلمع سيوف العرب
المتكاثرة

دون جدوى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*