“الموت مابين الفقر والفقد” قصة قصيرة بقلم محمود علي الحسن من سوريا.

الخميس في ٢٩/٨/١٩٧٩ المحكمةُ الأولى في دمشق صراخٌ شديد وفوضى كبيرة، على أبواب القاعة، أثار ذلك غضبَ القاضي، فطرق عدةَ طرقاتٍ عنيفةٍ في مطرقتِه، وأشارَ إلى الحرسِ المتواجدينَ على أبوابِ القاعة، فتقدم أحدُهم وقال:سيدي امرأةٌ مجنونة تريد الدخول، صوتٌ عميقٌ من الخارج قد أبلتهُ السنوات، لا ياسيدي، لستُ مجنونة، أرجوكَ يا سيدي ادخلني، اخترقَ ذلكَ الصوت قلبَ القاضي قبلَ أُذنيه، ولوَّحَ بيده لتدخل المرأة، تنحى الحرَّاسُ قليلاً ودخلَ شبحٌ طويلٌ، وهزيلٌ كعودٍ من القصب، أبلتهُ السنون، توقفت أمامَ منصة القاضي وجلست، على بلاط المحكمة،حاول بعض الحُرَّاسِ توبيخها لجلوسلها قبل إذنٍ من القاضي، لولا أن رفع القاضي يدَه مشيراً بابتعادهم، أخذتْ تلتقطُ أنفاسَها، وكأنَّها للتوِ قد نجتْ من معركةٍ طاحنة، كانَ حِلمٌ القاضي دليلاً قاطعاً على استحقاقهِ لهذا المنصب، فقد انتظر أنفاسها حتى هدأت، وأمرَ بسقايتها، وبدأتِ المرأةُ تروي قصتها مع دموعٍ تخرجُ من أعماقِ قلبها، سيدي، أرجوكَ ياسيدي، إنه ولدي قد اختطفه اللصوص، أرجوكَ ياسيدي، لا نريدُ الأموال، فقط أريدُ فلذةَ كبدي، كان صوت المرأة يخبرِ الجميع أنَّ ابنها وحيداً، وكانت الفجيعة قد أبكت جميع الحضور ولو لم تلحظ ذلكَ على ملامحِهم، حتى القاضي بدأ يجففُ دمعاتَهُ قبلَ أن تنزل، حفاظاً على مكانةِ المنصب، استجمعَ القاضي قواهُ وسأل: ومتى حصل ذلك، وأين، حدثيني يا أماه قالتِ المرأةُ: سيدي نحنُ ضحايا الفقر، أعيشُ وابني في كوخٍ صغير لا نملكُ ثمنَ أُجرتِه الشهرية، نستقرضُ من هذا، ونستدين من ذاك، لنقضي جزءاً من حوائجنا، والله يشهد يا سيدي أنها قليلة، نكتفي بالضروريات فقط، وبما يعيننا على حياةٍ زهيدة، منذ شهرين قرر ابني الوحيد الذهابَ إلى بيروت لعلَّهُ يجدُ عملاً يكفُّنا به عن سؤال الناس، وفعلاً ياسيدي عملَ في نقل البضائع وبذلَ جهداً يصعبُ على الحمار أجلَّكم الله ضجَّت القاعة بأصوات الضحك لكن رئيسها استدركَ الموقف بعدةٍ طرقات أُخرى، ونظرَ إلى المرأةِ نظرةَ المستمع موحياً لها لتكمل اختنقَ صوت المرأة هذه المرة وقالت: يا سي….يدي ، قررَ ابني الأسبوعَ الماضي أن يأتي إلي دمشقَ ليروي أفئدتَنا بالوصال، ويأخذُ قِسطاً منَ الرَّاحة، لكنَّهُ لم يصل إلى اليوم، ولم يصلني مكتوبٌ منه، والرسائل التي أرسلتها عادت، خائبةً ومخيِّبَةً، أتوسلُ إليكَ يا سيدي إنَّهُ وحيدي، أناخَ القاضي رأسَهُ على الطاولة، ليخفي ما يهطلُ في عينيهِ من الدموع، ثم رفع رأسهُ وقال:ما اسم ولدكِ يا أماه؟؟ قالت بسرعةٍ رهيبة:”سراج خير الدين”. صُدِمَ القاضي، وتجمدَ الدَّمُ في عروقه، فالاسم لم يكن عليه غريباً، كانت قضيةُ سراجٍ هي القضية التي جاء القاضي لمحاكمتها، وكان اللصوص وراء القضبان، يعتصرونَ ندماً على قلبٍ قد أحرقوه، لم يتمالك القاضي نفسَهُ وبدأ بالنحيب وجاء إلى العجوز، وضمَّها إلى صدرهِ وكأنَّهُ يعتذرُ له عما فعلَهُ أصحابُ القلوبِ القاسية، لكن الأمرَ لم يكلِّف المسكينةَ كثيراً حتى فهمت، وماهيَ إلا لحظات سلَّمت الروحَ إلى بارئها إثرَ نوبةٍ قلبِيِّةٍ، أصابتْها،لتُطوى قصةُ وجعٍ سببتْ بإسبوعٍ واحد أحزاناً تعادِلُ مئةَ عامٍ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*