قراءة نقدية:الملحمة الغنائية بالشعر والتنغيم في أغنية (وطن الهباء ) لرعد بركات بقلم الناقد تحسين عباس من العراق.

في عالم النقد ليس بالضرورة كلُّ الأعمال الجيدة تُطرحُ على مائدة التحليل وإنَّما تُطرحُ الأعمالُ التي تستفزُّ المَلكة النقدية وتقودُها للكتابة عنها أو أنَّ موضوع العمل يتلاءمُ والميولَ الفكرية للناقد التي جاءت مُؤكَّداً من معرفياتِهِ الثقافية وطريقة تذوقهِ للفن الكتابي أو المرئي والسمعي ، وهنا سوف نعرف أن الناقد يعمل بمحركين أساسيين هما مجموعة المعرفة وطريقة التذوق ، وليس من شأني هنا التوسع بهذين الركنين على أنَّهما الأساسُ في بناء الشخصية الناقدة وما مدى عمق الفهم للمعرفة المكتسبة والتسلسل الصحيح للتذوق الفني عند الناقد ، فما أريدُهُ هنا هو تبيان أسباب الاختيار للأعمال الفنية دون غيرها ، واليوم وأنا أقلِّبُ المكتبة الصوتية  في اليوتيوب  للفنان الرائد رعد بركات وجدتُ عملاً ملحمياً في النصِّ والتنغيم بعنوان (وطن الهباء) فهو من كلمات الشاعر اليمني القدير عبد القادر صبري ومن أنغام وغناء وتوزيع ومونتاج الفنان الرائع رعد بركات  وقدُ بُنِيَ النص الشعري على نظام شعر التفعيلة من البحر الكامل (مُتَفاعلن ، مُتْفاعلن ، متفاعلن).

الفكرة :

“نحتاجُ فقط إلى بقعةٍ من(أرضْ) أيّاً  كان حجمها، وحفنةٍ من(جياع) مهما بلغَ جوعُهم، وطُغمةٍ من(طُغاةٍ)مهما بلغَ طُغيانُهم ليكونَ لدينا ما يُسمَّى بـــ(الوطن)”

من المقدمة  نستقرئُ ما في النص من السُخرية الهادفة التي تدورُ حول موضوع ( وطن الهباء) أيْ :الوطن الذي يُصنعُ من الشعارات المُزيفة والهتافات التي تُمجدُ الحاكم  الذي يُجوّعُ شعبَهُ لتطويعِهِ في تعضيد مطامعه وبناءِ طغيانه ، فالجوع يقتل روحَ المواطنة ويجبرها على الانصياع الى أوامر الطُغاة .

فنرى أن المقطع الأول والثاني دار حول محور ( أرض + جياع + طغاة = وطن الهباء) .  

 الفراغ ـــــ  خلو الحيز من المادة ـــ العدم والزيف – أرض جدباء غير خصبة.

 جوع التراب ـــ جثث الموتى ـــ الجياع المساكين ــ تخطيط الطغاة .

 الشهداء ـــ عتاد الأسلحة ـــ طعام الأرض القاحلة ـــ قهقهة الطغاة .

 تعليق الانهار من أقدامها والتدوين في كعب الكتاب ـــ قلب الحقائق ــ تعذيب المعارضين ـــ استمرار الطغاة .

تباريح الجياع ـ الدعاء بالاستعارة – آثار الاضطهاد .

أرصفة المدائن ـــ التسكع والضياع ــ اغتراب في الوطن.

روائح الخوف ــ سيطرة الطغاة ــ ديمومة الظلم .

عقْب سِجَارةٍ ـ منقذ ماكر ــ احتراق الأفراد ــ تجدد الظلم ـ وطن الألم .

لكن في المقطع الثالث يظهر الشاعر بصيغة ضمير المتكلم (أنا) ليتكلم نيابة عن الشعوب المنكوبة لغرض بلاغي في تنشيط  ذاكرة المتلقي ومشاركتِهِ بالمأساة في نفس المحاور الثلاث ( أرض وجياع وطغاة )  بــ مجموعة إشاراتٍ مضمرة ليُنْهيها بجملة انشائية باسلوب استفهامي انكاري غايتهُ السخرية من واقع الأوطان المزيفة التي تخدم الطغاة وتأكل الفقراء  ” وَطَنٌ بِباليَ أمْ  كَمينْ ؟! ”  

ثمَّ يرجعُ الشاعر الى الحديث  بضمير الغائب ليتحدث عن ساحات القتال ( الفضاء) في المقطع الرابع والبحر في المقطع الخامس والصحراء في المقطع السادس ويختم في المقطع السابع والأخير ملوحاً عن شيء يحدث كلَّ يوم وكلمة يوم قد تكون غيرَ حقيقية وانما كلّ أربع سنين أو بين فترة وأخرى في موضوع الانتخابات وعلاقتها بالندم وصيانة قانون الهتافات الزائفة التي تخدم الطغاة لوطن الهباء والألم .

فكل الاشارات والعلامات الخطابية في هذه القصيدة تدلُّ على المعاناة والمأساة التي تعيشها الشعوب العربية جميعها وكلٌّ بلونٍ مغاير وخاصة ( اليمن وسورية والعراق وفلسطين ولبنان وتونس) فلذلك نرى أن هذه الأغنية ارتكزت على مقام النهاوند الذي يعتبر والد المعاناة ومن أبنائه الحجاز والحجاز كار والنكريز الذين استخدمهم المنغِّم في انتقالاتِهِ النغمية .

التنغيم :

يبتدأ التأليف الغنائي بالمقدمة التي تتشحُ بالاطار الغربي الأوبرالي فمن نغم النهاوند من درجة ( دو) وبإيقاع swing السوينك بمقياس (4/4) يرسم لنا المنغم لوحة غرائبية متكونة من عدة مناهل ، ففيها من اسلوب الكونشرتو وفيها حركات سريعة تحيلنا الى الموسيقى الكلاسيكية في السيمفونيات وهذا ما ينفرد بهِ المؤلف في جميع أعمالهِ الموسيقية ، فالمقدمة وان كانت قصيرة لكنها ملفتة للترقب والاستماع  وخصوصاً أن ما يصاحبها في ايصال التعبير اللقطاتُ التي تحملُ فحوى المعنى العام فقد استخدم المونتير (المعادل المرئي) حيث تظهر مع المقدمة لقطات من الأرض المحروقة  ليدخل الغناء بنفس النغم لكن بإيقاع مختلفٍ مُصنَّعٍ خصيصاً لهذا العمل الملحمي فهو يشابه الى حدٍّ ما الإيقاعَ الأيّوبي ويتقارب مع ايقاع الجيرك لكنّه من الأوزان المُصنَّعة بمقياس (4/4) وهذا الوزن يستمر حتى النهاية لأن العمل الحماسي والملحمي لا يستدعي التنوع الايقاعي .

فالغناء يسري بنا متحداً بمعنى النص الى عالم غزير بالمأساة ويأتي المعادل المرئي في الاخراج ليشرح لنا وجهة نظرهِ المضمرة في النسق الفني فحين يغني (لا شيء يولد في الفراغ  سوى الفراغ) يظهر لنا (برج ايفل) خالياً من السياح وتظهر لنا (الكعبة) خالية من الحجاج وكأنها اشارة باطنية لفايروس كورونا الكائن الصغير جداً وكيف أفرغ هذه الأماكن من الناس وأخافها كما أنَّ في داخل هذه الاشارة تحذيراً للإنسان حينَ قهرَهُ هذا الكائن الصغير جداً وافرغ أرصدة الأغنياء وأوقف مصادرهم !! فأنت ايها الطاغي لا تنفعُك شعاراتك الزائفة وتخطيطك لأن تطعمَ جوعَ التراب بجثث الموتى من اليتامى والمساكين وتحتال عليهم فتجعلهم عتاداً للمدافع وتقلب الحقائق على اعقابها وتغوي بصيرتهم لصالح اطماعك .

(لا شيءَ يُولَدُ في الفَراغِ

سِوَى الفراغْ

هذا الذّي 

يُفضي إلى جُوعِ التُرابْ

ويُجَمِّعُ الشُهداءَ كي يَحشو مَدافِعَهُ بِهِمْ

ويُعلِّقُ الأنهارَ من أَقدامِها..

ليُدَوِّنَ التاريخَ في كَعبِ الكِتابْ

يُدْعى الوَطَنْ) .

وتستمر المعاناة مع نغم النهاود من درجة الـــ دو، وثبات الايقاع المُصَنّع نفسِهِ في المقطع الثاني حيث البؤس والجوع والعذابات التي تفترش نقوشها على جباه المساكين حيث لا يوجدُ صدقٌ يمكن أن يصلَ الى السماء سوى صراخِ البطون من ألم الجوع !! حتى أنهم يستنشقون روائح الخوف وجور المستبدين وغطرستهم ، وهنا ينتقل المُنغّم الى نغم النكريز من نفس الدرجة (دو) ليُعبّر عن اتساع هذا الخوف وانتشاره ؛ ثمَّ يرجع الى نغم النهاوند ليختم بهِ المقطع الأخير مع التقاطة رائعة في التعبير بالمعادل المرئي حيث تظهر صورة اسقاط تمثال الرئيس السابق للعراق في جملة (يحيا العلم) ثمَّ تأتي لقطة الشاب الذي يحمل العلم العراقي في تظاهرات تشرين 2019 فيقتنصُهُ الموتُ برصاصة !!

(لا شَيءَ يَعرُجُ للسَّماءِ

سوى تَباريحِ الجِياعِ منَ الألمْ

تَتَكاثرُ الطُّرُقاتُ في أَصواتِهمْ

وتَنامُ أرصفةُ المدائنِ في الجِباهْ

يَستنِشقُونَ رَوَائِحَ الخَوفِ المُوَزَّعِ في البيوتْ .

يَتَبادَلُونَ الانتِظارَ

لعابِرٍ يُلقي بعقْبِ سِجَارةٍ

تَزهوْ بأَلْوانِ العَلَمْ

 يَحيا العَلمْ

وَطَنٌ أَلَمْ.)

ويأتي الحزنُ بنغم الحجاز من درجة الـصول مع انعطافة الشاعر الى التحدث بضمير المتكلم وهو يُعبّر باستفراد الموت بالشعب اليمني في جملة (وحدي هنا) وكأنها إحالة مضمرة الى معركة الطف في كربلاء ويأتي المعادل المرئي ليظهر لنا الأحياء المُدمرة في اليمن من أثر القصف وشخص شاخص فوق الركام ! ثم َّ يرجعُ نغم النهاوند من نفس الدرجة  ليكمل المأساة حيث الذعر وصوت الهباء وسذاجة الحلم عندما يعتنق مفهوم الوطن بأنّه المكان!! وهنا تأتي مُسحة من جملة موسيقية متكونة من حجازين ويستقر على الـ (دو) خاطفاً ،فكانت حلقة وصلٍ بين الحجاز كار صول الذي سيأتي مستقبلاً وبين النكريز والنهاوند على درجة الــ (دو).

 ثمَّ تأتي الحيرة والتيه بين صدقِ الانتماء وهباءِ الواقع في جملة (وَطَنٌ بِباليَ أمْ  كَمينْ؟!) ليتحول الى نغم الحزن الكئيب والحيرة الداكنة في نغم الحجاز كار من درجة الـصول.

(لا شَيءَ يُومِضُ هاهُنا

وَحْدِي ..هُنَا  

ذُعرُ الشِّفَاهِ يسومُني

صَوتَ الهَباءِ

بِلا ثَمَنْ

سَيَمُرُّ من جَسَدِيْ المَكَانْ

لِلَّانِهايَةِ وُجْهتي

لِسَذَاجَةِ الحُلُمِ المُغامِرِ

في دَمِي

فَأنا الذي أَسْدَيُتُه صَمْتَ المِياهِ  ولم أسَلْ

وَطَنٌ بِباليَ أمْ  كَمينْ؟!).

ويُقبل علينا المقطع الرابع بالافصاح عن ساحات القتال وأخطرهنَّ على البشر ، ألا وهي ساحة الطائرات وما تقذفهُ على رؤوس الغافلين والمساكين من الأبرياء ، يرجع هنا التنغيم الى النهاوند من درجة الـ(دو) ، لكن المعادل المرئي لا يَهدأ حتى يشاكس الواقع فقد أظهر صورة البنت اليمنية التي أخرجوها من الأنقاض حين ظنوا أنها ميتة فقالت:أنا بخير وهذه عيني تراكم وقامت بفتح إحدى عينيها لتسخر من الموت وقذائف الطائرات !!

( لا شيءَ يُومِضُ في الفَضاء

غَيرُ ارتطامِ كَتيبَتَينْ

و تَناثُرِ الأحْشَاءِ

في عَينِ الجَبلْ

تَعِبَ الجَبلْ

مَلَّ الوُقُوفَ على الحُطَامِ

يُراقِبُ المُتَحاربينَ

يَوَدُّ لو يَحظَى بكُرسيِّ صَغيرْ

يَرتاحُ فيهْ

حتَّى تَجِفَّ كُهُوفهُ

و صُخُورُهُ المُلقاةُ

في حَبلِ الغسيلْ

و تزولَ آثارُ الحُروب.)

ويستمر نغم النهاوند بنقل وقائع الألم والمعاناة ما بين الشعوب العربية المنكوبة بالحروب في المقطع الخامس فقد استنطق الشاعر البحر حتى أنّه أعربَ عن مَللهِ من نقل الجيوش على ظهر السُفن وأنه أراد أن يستريح من كلّ هذا الهُراء.

(وَ يَوَدُّ هذا البَحرُ

لو يُلقي بما فوقَ السَّفينِ

و بالسُّفُنْ

وبِما سَتَجلبُهُ الجُيُوشُ

من المُؤَنْ

ليَنامَ مُنبَطِحَاً يُحَدِّقُ

في السمَاءْ

يُصغِي إلى شَمسِ الشِتاءِ

وبالصُّخورِ يَحُكُّ ظَهرَ المَوجِ ساعاتٍ طِوالْ.)

وهكذا يستمر النهاوند مع هذه الملحمة في آخر ساحة للقتال وهي الصحراء في المقطع السادس .

(و تَوَدُّ صَحراءُ المَعارِكِ

لو تُسَرِّحُ خَيلَها

و نَخِيلَها

و جِمالَها

و رِمالَها

تَطْوي الخِيامَ ببابِها 

لتَقُودَ واحاتٍ صِغارْ

في نُزهةٍ بَريَّةٍ

تَنْسى مَيادينَ القِتَالْ.)

ويختم الشاعر ملحمتَهُ عن أصابع الندم في الانتخابات وقانون الهباء والزور، ليسخرَ من وطن الهباء الذي تزيِّفُه شعاراتُ الحُكّام ، كما يستمرُ نغم النهاوند من درجة الـ(دو) ليُدوِّنَ البؤسَ والشقاء الذي تعيشُهُ الشعوب العربية المنكوبة .

(لكنَّ شَيئاً آخراً

سيظلُّ يَحدُث كُلَّ يومْ

لِيَصُونَ قانونَ الهبَاءْ

وَطنَ الهَباءْ

أرضَ المُحالْ

شعباً تلَطَّخَ بالندمْ.

 يَحيا العَلمْ

وَطَنٌ أَلَمْ.)

التوزيع :استخدم الموزِّع صوت الكمانات المكتبية للتعبير عن الزخم وعِظم الوقائع المأساوية مع ضربات البزيكاتو بالكونترباس وفي أحيان أخرى يأتي صوت الناي معبّراً عن معارك الصحراء كما أنَّ هناك جملاً موسيقية متداخلة في الجمل الأساسية.

الغناء : نجحَ المؤدي لهذا اللون من الغناء الملحمي أن يتقلب من القرار الى الجواب بإمكانية تختلف عما رأيناه في الأغاني السابقة خصوصاً هو من نغّم هذا العمل ويعرف مدى امكانية حنجرتِه ومساحتها النغمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*