القلوب أمانة..!بقلم ميساء الحاجي من تونس.

هناك، في وسط الطريق أو في أحد أركان الذاكرة ما يصلك بنفسك التي غابت. إنه هو، هو قدرك و روحك المفصولة عنك منذ الولادة. ها أنتما تجتمعان من جديد بعد أكثر من عقدين من الزمن. في نفس المجلس و على نفس الطاولة، ترافقه و يرافقك،يلملم شتاتك، يصلك بالعالم أو دعنى نقول بالحياة. و لكن هل يدري هو مزاياه عليك؟ هل يعلم كم إنتظرته و كم تمنيته و كم إستجديته؟ و إن كان ذلك حصريا في مخيلتك فكيف لا يدري و هو روحك؟ روحك أنت يا روح الله. لقد كساه حسنا و زينه و حلاه لأجلك. حتى يحين هذا الموعد المعهود المؤجل منذ حين. ذلك الحين الذي إمتد في الزمن حتى تجاوز العقدين. هل يصبر المرء كل هذه المدة حتى يجد شتات روحه المتناثرة؟ و لكنك أنت سيد شورتك و أمرك لذا أنت من صبر و أنت من جُبر بإرادتك. و ما أعظم الجبر. يليك خافقك في الجبر. و لكن جبره كان أعظم و أكثر بختا منك. فهو من نال الجزء الأوفر، هو من عاش التجربة بكل منحنياتها و تضاريسها. أنت لم تفعل سوى أن تنقاد معه. لذا كان جبره أن عثر على القلب الذي يشبهه. كم التشابه الذي بينهما و الإنسجام و التفاهم يطيّب الخاطر و إن إنكسر.تدور في مخيلتك أسئلة و حيرة. أين كان كل هذه المدة؟ لماذا لم يظهر إلا الآن؟ من عثر على الآخر؟ لا يمكنك الإجابة للأسف لأن الأجوبة غيب و أنت لست بعراف أو دجال حتى تدعي علم الغيب. أنت تكتفي بالنتيجة و تسر لبلوغها. ما أعظم سرورك و ما أكثر بهجتك. إنه رزقك و بختك. رحمة من مالك السماوات و الأرض. غيث نزل في لحظة إستسقاء و سكينة عمت قلبك و روحك. كل متوقع آت فتوقع الأجمل من الله فهو لن يخذلك و إن خذلك الكل. إني أشتاقك كإشتياق غسان لغادة عندما قال:”لقد كان شهرا كالإعصار الذي لا يفهم كالمطر كالنار كالأرض المحروثة التي أعبدها إلى حد الجنون” كأن تصبح أنت جبري و ملجئي و عوضي من عند الله. مر شهرنا الأول كما لم يحضى به الكثيرون لسنوات. و على الرغم من البعد المادي، ألف الله بين قلوبنا، فتراني في خلوتي أحمده على إكرامي بك رزقا و مشروعا في الحياة. لقد كنت و مازلت مشروعي و إن سبقنا الرّدى. و إن رداني الزمن بمصيبة فأرضى أن تكون كل شيء إلا أنت. نحن يا عزيزي بلغنا من المودة أن أجاد كل منا حفظ الأمانة كما تم العهد. و للقارئين، أعلمكم يا سادتي أن هذه الأمانة أعظم و أجل و أطهر من أن تحفظ في ركن من البيت و تظل ساكنة هامدة إلى أن يحين موعد لقائها اللاحق بصاحبها. لأن الأمانة في عهدتنا سوف تظل عند المؤتمن العمر كله: القلب. عاهدتك أن أرمم قلبك المكسور و عاهدتني أن لا تكسر قلبي. من ثم إستلم كل منا الأمانة. و إني أشهد لك بحفاظك عليها على أكمل وجه و أرجو أن أرد لك البعض من جميلك هذا. و لكي أصدق القول كان عهدنا أجمل ما جمعنا. لا أرى فيك عيبا و لا أنت ترى في عيبا. و الحب في مقولة أخرى لا يجمع المتشابهين، بل من إختلفا حتى يكملا بعضهما البعض. أما حبنا فغني عن المقارنة و التشبه بالمقولات. قلت لي في أحد رسائلك النصية بالحرف الواحد ‏”أنت لا تعرفين ياحبيبتي مدى تأثيرك بي، كيف تستطيع أن تجعليني أُزهر.. كيف أحب الحياة وأنت معي أكثر، كيف أتوق إلى الهروب إليك عندما تُنهك قلبي الأيام، كيف أنني أراك الشيء الحقيقي الذي أعيشه وأعيش إليه.” رفعني هذا النص إلى عالم آخر خيالي. ربما لا تدري عين الدراية-و إن أخبرتك بذلك مرارا- كم أفرح لرسائلك الكثيرة التي أباشر صباحي بها فيكون يومي متحمسا لأخوض غماره و أواجه معركته. الحب يجعلنا أجمل و أقوى. و في رواية أخرى أقول:” أنت مسكني و وطني و أماني إذا ما خانني الزمن و خذلتني عهدتي بنفسي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*