قفصة ..! بقلم الكاتب يوسف الدلاجي من تونس.

على مشارف البلدة الصغيرة يبدأ قلبي بالنبض أكثر ، في بداية الألفينيات كان أبي يعمل في مكان بعيد و كنا لا نعود إلى القرية إلا زيارة وقت العطلة ، و كنت على صغر سني أشعر بأن ذلك المكان هو مكاني الأم ، و أظل أخبئ له بين أضلعي الصغيرة كل الحب الذي يمكن لقلب طفل حمله. كنت لا أنام الليلة الفاصلة لزيارتنا لمنزل جدي من الفرح ، أعد ساعات الطريق بالستين ثانية في كل دقيقة حتى يغلبني النعاس و أنام و لا أستيقظ إلا على صوت أبي يخبرني أننا على وشك الوصول .. كان دائما يوقظني منذ أن تبدأ ريح البلدة في مداعبة تفاصيلنا و كنت أنا أنشرح بمنظر الطريق على بساطته ، تتسارع دقات قلبي و أشعر و كأني أعانق التربة و الأشجار بعيني .. وقتها كانت الحياة رائعة ، لم يزر الموت بعد ديارنا ، لم يبتر الموت كتفي الأيمن بعد و لم يضرب ركبتي .. كان لا يزال للعطل و الأعياد طعم فرحة اللقاء ، قبل أن تصيّره الأيام و جبروت الموت بطعم الفقد ، مرا كالعلقم .. كنت لا أعرف كيف أنزل من السيارة و نحتضن العائلة ، رائحتهم كانت لا تتغير من سنة إلى أخرى ، لأنها أبدا لم تكن رائحة العطور بل رائحة الحب ⁦.. كنت أملأ صدري و رئتاي بهواء القرية بعد أن قضيت السنة لا أتنفس إلا بأنفي ! و كأن جسدي الصغير يأبى أن يستقبل بصدر رحب هواء آخر غير هواء القرية .. ثم ما نكاد نعود إليها حتى تنشرح الحياة في صدري ، أتمرغ ترابها و أنغمس فيها ، أصور ما يمكن لي تصويره بعيناي لأخزنه في قلبي و ذاكرتي ، و أقتات منه طوال سنة كاملة من البعد و الغربة. كانت البلدة رائعة بكل تفاصيلها. و رغم أننا عدنا إلى القرية ، بعدما صارت معتمدية و كبرت و كبرنا ، و تغيرت و تغيرنا ، و رغم أنها آذتنا و رغم أنها لم تعد تعطينا ما يكفي من الهواء لصدورنا لأنها كانت هي نفسها تختنق ، لكنني مازلت أفرح كلما دخلتها ، ولازلت أحبها ، و لازال لا يوجد على هذه الأرض كلها مكان يحتضن قلبي مثلما تفعل هي .

One Reply to “قفصة ..! بقلم الكاتب يوسف الدلاجي من تونس.”

  1. اسلوب رائع وسلس لكن اود التوضبح ان قفصة ليست بقرية ولا بلدة هي مدينة كبيرة وعاصمة اقتصادية للجنوب التونسي وبها كل المرافق العصرية لا كما يصورها الكاتب
    مع الشكر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*