هل من عزم حقيقي على إصلاح المنظومة التعليمية في تونس ؟ بقلم الكاتب صبري صابر الزريعة من تونس.

تعد إجبارية التعليم من أهم القرارات التي بنيت عليها الجمهورية التونسية. و لا يمكن لأحد أن ينفي الأشواط التي حققتها تونس في مجال التعليم مقارنة بعدة بلدان أخرى.لكن لم تنفك أزمة التعليم في البلاد التونسية خلال العقود الأخيرة تطرح نفسها مرارا علي مستويات مختلفة سواء ضمن هياكل وزارة التربية أو وزارة التعليم العالي. و كلما وقع تناول هذا الملف إلا و تتواتر علي مسامعنا أنشودة التسويف من المسؤولين في مختلف المنابر الإعلامية حتى أضحت بمثابة الوعود الإخشيدية  لا تسمن و لا تغني من جوع .

فهل هناك عزم حقيقي على إصلاح المنظومة التعليمية في تونس ؟

بعد اندلاع الثورة تولدت أزمة ثقة بين الدولة و المواطن في مختلف المسائل المتعلقة بشؤون الحياة العامة أبرزها مسالة الإصلاح التعليمي  لذلك وجب أولا فهم مدى عمق هذه الأزمة من زاوية أخرى و التي لا تكمن أسبابها في تردي الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية فقط  و إنما كأزمة  تمت برمجتها و حياكتها بأنامل جشعة كمحاولة لإسقاط المدارس و الجامعات العمومية و حتى مراكز التكوين المهني التي ضلت مقتصرة على اختصاصات لا تتماشى و متطلبات العصر و الواقع .

الخضوع الذي يحول دون الإصلاح:

تعتبر تونس من ابرز البلدان النامية المقترضة من صندوق النقد الدولي و البنك العالمي, و في كل مرة تكون عاجزة على سداد ما في ذمتها من ديون ما يجعلها تخضع لمنظومة الإصلاح الهيكلي و لمجموعة من البنود تجعلها في تبعية دائمة لهذه الهياكل. إذ في ضل دولة نامية خاضعة يقع إجبارها و استغلالها لتجربة النماذج و المناهج التعليمية لا نستطيع الحديث عن إصلاح جذري للمنظوم التعليمية. لا احد ينكر النسق الثري للأفكار المطروحة ,لكنها ضلت محاولات لم ترَ الشمس و لم تعانق الواقع . بطريقة مباشرة انعكست هذه العوامل على التلاميذ و الطلبة التونسيين خاصة على مستوى التكوين الأكاديمي, و لعل تراجع مرتبة المدارس و الجامعات التونسية اكبر دليل على ذلك.

ضلال الرأسمالية و السير نحو خوصصة التعليم:

نلاحظ خلال العقود الأخيرة المؤسسات التعليمية التي أخذت في التكاثر سواء المدارس أو الجامعات,في مختلف ربوع البلاد

و أركانها. لا احد ينفي الدور الهام الذي تساهم  به هذه الهياكل خاصة على مستوي التخفيض في نسبة البطالة في صفوف أصحاب حاملي الشهائد العليا , ولعل هذا ما جعل الدولة تقبل على تشجيعهم ,لكن لابد ان نسلط الضوء علي جزء خفي من الواقع .

إذ أمام دولة تحاول التجرد من كل ما يحاول أن يثقل كاهلها تفضل أن تفتح المجال للرأسمالية  الجشعة تبسط بضلالها على قطاع التعليم بدل أن تحاول دعم هذا القطاع. نحن هنا أمام لعبة تخوضها عديد الاطراف يقع ضحيتها الطالب و التلميذ.

تسير تونس اليوم نحو خوصصة التعليم ,ليصبح هذا الأخير سوقا يباع فيه التعليم و يشترى ,بتعبير آخر نحن بصدد قتل ما هو  عمومي ,متاح و شامل و نعود لمبدأ الطبقية حيث يكون فيه التعليم  متاحا للأغنياء عسيرا على الفقراء . في واقع الأمر لم نعد نتحدث عن عزم لإصلاح المنظومة التعليمية و إنما أصبحنا نتحدث عن (زعم) و إستراتيجية تسويفية لا تمت بصلة لم هو راهن.

نخلص إلى أن مسألة إصلاح المنظومة التعليمية في تونس لا تزال مقيدة تنتظر معانقة الحرية .لذلك وجب تثمين هذا الملف و معالجة ما فيه من مشاكل و عقبات حتى ننقذ الأجيال القادمة و نسير في طريق  الإصلاح الجذري للمنظومة التعليمية التونسية ككل و إعلاء قيمة العلم و طلابه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*