قراءة في ديوان الخزاف النابلي بقلم الشاعر نمر سعدي من فلسطين.

L’image contient peut-être : 1 personne, texte

ديوان ملفت.. عميق.. مسبوك بمهارة صانع ماهر..
لا ينقطع خيط الايقاع الخفي حينا والهادر حينا آخر بين السطور الشعرية.. النفس التدويري فيه صاخب ولكنه هادئ بعض الشيء حين يلامس الشاعر مواضيع الحب.. يذكرني بقصائد كثيرة تتغنى بالطبيعة وبجمال الحياة في الشعر الإغريقي القديم.. هناك جمالية الربط بين المرأة والموَّال.. وهذا ربط ذكي ينمُّ عن ذكاء شعري فطري طفولي منذ البداية.. فالمرأة هي الأغنية بأبهى تجليّاتها وإيحاءاتها.. وهي ذلك العناق الأبديّ لأنغام الكينونة.. قصيدة الشاعر التونسي المرموق صابر العبسي رفرفة وتحليق هائم في أجواء القصيدة وبعيدا في أفقها الأزرق.. حتى لأكاد أحس في كثير من قصائده أنهُ يحلق فوق النص وخارج مدار القصيدة.. فرؤياه أكبر من قصيدته وتحتمل عبارته أبعْادا شتى وسماء أكبر.. فقصيدته اشتغال مضني على تفاصيل اليوميات الصغيرة في قالب جمالي عذب ورقراق.. هي كحديقة من أزهار الضوء والماء أو كغناء نهر بعيد.. يمتلئ دربه البعيد بالحصى الملوَّن ولكنك سريعا ما تألفه وتألف ألحانه.. حين تصل إليه تنسى متاعب الطريق ومشقتها.. في هذا الديوان الجميل تشغلنا جدلية النار والطين الأزلية.. وتأخذنا الى انزياحات ودلالات مجازية مشرقة.. فما يفعله الشاعر في هذا الديوان لا يختلف عما يقوم به خزّاف محترف يجمعُ بين لهفة التراب وعبق النار المقدسة اللا مرئية في محاولة مركزة لاكتشاف معنى الحياة وجوهر قلق الوجود.. فقصيدته صورة متكاملة لاختلاجات الشاعر أو هي تمثال من ضوء أو مرمر ينظر الى الأعلى توّاقا لعوالم الأنوثة ولأقاصي الأبد المجهول.. أو هي شكل تجلي الأغاني العصية..
يبدو الشاعر عبر تمثاله الشعري مسكونا بلهفته للسماء.. وبقلقه على جنته الأرضية الساحرة. فتحية لك من القلب صديقي الشاعر التونسي الكبير صابر العبسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*