لا أثق بقدمي ..! بقلم الشاعرة نسرين المسعودي من تونس.

في القطرات الحمراء غواية شهية،
تبدأ من أول جرعة باردة سريعة .
فوق شفتيّ المبللتين، تُغرس المذاقات المرة
يقف النادل عند طاولتي لا يغادرني منذ أكثر من ثلاث سنوات
قابع في مكانه ، عاجز عن البكاء ، عاجز عن القهقهة
تتغيّر لي الأنفاس في إشارة من إصبعي ،
وتُسكب لي الحياة
أعرف هذه المقاعد مليا ،
أعرفها مثلما تعرفني أعتاب الحانات ،
و الخمارات و المباني الحزينة .
تعرف كمّ وزني و عدد عظامي و استقامة ظهري،
و انكسار وجهي و تحفظ الجدران ،عطري و لون أظافري
جلستي الموقرة البائسة ،و التحام الساق على ساق ،
و انقسام أفكاري ، إلى سربين من الحمام و الغربان
في الكأس السادسة …تلوح لي الهواجس
فأفكر بالطريق الموحش ، بالليل الضرير الأعرج
و لا أثق بقدمي
يقودني الملح المنثور الى بيتي كل ليلة و يرمي بي ضوء الفانوس الخافت إلى وسادتي
لا أفكر ببرودة أصابعي ،
و لا يخدعني بياض الثلج
أشعر بالنار تحت جلدي و أذكر ألوان الألم في الندوب المخفية
كم تخيفني المدينة حين تنام ،
فلا تبهرني المباني الشاهقة المضيئة
و لا الستائر الحريرية من الشرفات
لا تؤنسني أنغام الجاز،و البلوز و الروك المنبعثة من المطاعم الفاخرة . موحشة هي الشوارع ،و أنا وحيدة في منفاي، أشم رائحتي في دمي، و أسمع صوتي ، و ألمح الوديان تعبر إلى صدري و أحفظ الصور القديمة في بريق عينيٍ و أدندن المواويل الغابرة طيلة رجوعي.
أرنو إلى الصخر حين أتعب،
و أسمع عواء الذئاب بداخلي فأحنّ إلى الطبل و المزمار و الجبال وأقنان الدجاج و زغاريد الزردة
و الفرسان ، و الجحاف والأوشام
أستنشق شذى الرغيف بجدائل شعري
و أذكر كيف رأيت الشٌِعر في قصاع العولة
و روائح البهارات و تشقق الأقدام ، و المحافل و السهرات.
و كيف عرفت السعادة مع أكوام اللحم المرصف
و الحلوى و الحلقوم و المكسرات فوق حبات الكسكسي.
موحشة هي الشوارع
و أنا أفكر في الطريق ،
لا أثق في ملامحي المنعكسة في البلور ،
أعرف تجاعيد القسوة في ثناياها و أجيد لغة المنكسرين ،تدربتّ على المكر مذ نعومة حواسي و أتقنت حياكة أثوابه من البرد ، صيرت روحي الحمراء صلصالا مرنا تحت السحق و عند أصابع الخزافين
و النحاسين.
كبرتُ بخدوشي، و تشكلت مصابيحَ لا تشيخ
و صارت للشقوق و الكسور إهتمامات و أثمان و دكاكين
و للغبار العالق في قلبي ّ دهشة و فضول
تدربت على الشقاء ،و تفوقت ُفي ألعاب الكتمان أطبقت ضلوعي على الأسرار الجميلة و العظيمة و جعلت للوخزات إبرا ترتق الأحزان ،صيّرتها خطوطا و أسماءَ .صنعت من الفراغات لوحات و أشباح جعلت لها عيونا و ملامح و لسانا و أسكنت الفصول في رحمي و أحببت الشتاء و الصيف ، احتفظت بالشمس و بالرطوبة و عانقت الماء و الزيت و القطران صبرت على تلميع فخاري و كي ّ الخزافين و قسوة الارتطام بالارض و الخشب و أكواب النحاس دخلت الكنائس
و المساجد و الأكواخ و القصور عقّمت الخمر و الأنفاس
و الحب و أغلقت فمي بغطاء خفاف أو بخرقة قماش ، أسدلت الظلام الحالك في ذاكرتي لم أتحسس غير الصدى
و الحفيف .و لو خيرتُ مرة أخرى ، في هذه الدنيا
لاخترت نفسي كما ترونها بشحمها، و لحمها ،و خرابها،
و شرورها، و طيبتها .
في الكأس الأخيرة،
أحلق خفيفة و ألمع شفافة للناظرين
أسقط من موجات البكاء ، و أقطع الأسلاك من الشريان كمذياع قديم ،أملأ المكان بالخشخشة و السعال الطويل .
أقف في ثبات مزعوم
أبتسم قبل أن أغادر
لا أثق بقدمي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*