إشكاليات التناص في قصيد”عاشق أكثر مما ينبغي” للشاعر العراقي:حيدر الأديب بقلم الناقدة منى أحمد البريكي من تونس.

تصدير:

عيناي فيه وجسمي عنه مرتحل مثل ارتقاب الغريق البر في اللجج..” * 1*

مقدمة:

إذا كان الإبداع أن تكون مختلفا في عالم من النسخ والتناسخ فحري به أن يكون عنوان الشعر ورصيده حين يرتبط بالشجاعة والجرأة على تكسير السائد والارتقاء باللغة من الواقع إلى عالم تخييلي بامتياز لتصبح المفردات محتملات،ولأن الإبداع يقتضي وجود طاقة تخييلية عالية مستندة على موهبة حقيقية، يكون النص الشعري  صورا سيالة تسائل الموجود وتتعداه إلى المنشود.

في هذا القصيد سأحاول تسليط الضوء على شعريته الفلسفية تحليلا وبلاغة وصورا فنية جمالية.

ليست الشعرية  كنظام عقلي بحسب أرسطو وسلطة معيارية متعالية وكلاسيكية

وإنما بوصفها  من خلال فردانية النص ودلالاته النفسية والتاريخية دون إغفال لقيمه الجمالية وفرادة أسلوب ميز الشاعر.كل ذلك بانتهاج مناهج السيمياء الحديثة بما هي قراءة مبنية على دراسة  مفاهيم تبحث في  دوال و مدلولات  الخطاب عبر “العلم الذي يدرس حياة العلامات من داخل الحياة الاجتماعية” كما يراها دوسوسور في دروسه،

وكذلك من خلال رصد التناص  في مختلف إمكاناته بما هو”حوار يقيمه النص مع نصوص أخرى ومع أشكال أدبية ومضامين ثقافية.”كما تعرفه كوربرات أركسيوني.

لذلك سأحاول تحليل هذا القصيد”ابتداء من سطحه ثم اختراق أعماقه بشكل يبرر تعدد معانيه لا تحديد معناه.”*2*

_1_ مرآة  الذات :

إذا تأملنا في بنية العنوان كوصيد شعوري أحالنا على ترنيمة عاشق قدر من أول ملامسة لوجدان القارئ أنه عاشق أكثر مما ينبغي وكأنه يقرر حالة متفردة وغير مألوفة تتكئ على شرعية ثنائية التناغم والصراع.

  ومن خلال  قراءة لفظية أفقية نجد العنوان  مركبا لغويا إسميا ، يعبر عن الحال في صيغة تنكير تجعل القارئ إزاء اختيار بين أن يجعلها في محل مبتدأ أو خبر.فإن كان المبتدأ  الغائب المفرد تقديره “هو” أو “أنا”  تصبح العبارة “عاشق أكثر مما ينبغي”خبرا وإذا وضع في محل المبتدأ  يصبح البحث عن الخبر  بالتساؤل عن ماهية معشوقته  “من هي..”

وهنا تتدخل الذات الشاعرة بالتقييم بين الملفوظ ومرجعه، وتحكم عليه بوصف الحالة على أنها عشق أكثر مما ينبغي،  ليصبح العنوان  إزميلا ينقش ضربته الأولى في صنم المتن، ويحيل على حاجة للتجاوز احتجاجا على الإسراف ونهيا عن الانغماس في حالة عشق فريد. لتبدو اليد الممسكة بالإزميل قلقة؛ وهي الوفية لتاريخ غزل منذ امرئ القيس وعنترة إلى المجانين ، وكان التنكير ضرورة فهو مجرد “عاشق” في حضرة الكبار، إلا أن الحال يقول إنه عاشق أكثر مما ينبغي  ليكون مجرد عاشق فهو أكبر بكثير، إذا ذهبنا إلى أن الشعر نرجسية بالدرجة الأولى حين يعبر عن خلجات النفس وتلف الروح وإغراقها في الحب حد المكابدة..ليمر إلى رفع “الأنا”من قمقم التنكير إلى سماء التعريف، ويفتك عن جدارة إسما في تاريخ أعلام الحب والغزل  لذلك كان اللجوء إلى الحال.

 وهو بهذا يكون قد تمكن  من الاستلهام من قدماء الرواد، وتجاوزهم حين عرف بذاته المبدعة والعاشقة بآلية دلالية أعادت صياغة بلاغتها الخاصة داخل ثنائية الظهور والإخفاء. كما  نجح في إثارة الرغبة وإشباع فضول المتلقي للبحث عن إجابات للأسئلة التي تبادرت إلى ذهنه متسلحا بموسوعته الخاصة عن العشق والعشاق ،فيقوم  القارئ بعمل استدلالي؛ وهو يقرأ فينتقل من مجرد قراءة إلى قراءة في النص تجعله يبحث في كشف بنيته العميقة  مع الاستعانة بإجراءات تداولية، وبذلك يمر الشاعر  بالعنوان  إلى وظيفة جمالية تحيل على فائض قيمة المعنى فيه وتشير إليه بتكثيف وإيجاز،ويكون بذلك نصا موازيا.

_2_التداخل النصي أو التناص:

بما أن”ما يصدر عن الإنسان لا ينظر إليه في حرفيته،بل يدرك باعتباره حالة إنسانية مندرجة ضمن تسنين ثقافي هو حصيلة لوجود مجتمع.”*3*

وبما أن الشعرية ليست غير تشاكل تجربة انفعالية نابعة من تجربة انسانية كونية، فهي أشبه بنحلة تمتص رحيق أزهار البرتقال، كما تمتح من زهر الاكليل والزعتر باعتبار أنها تحلق في فضاء متنوع، كما هذا القصيد الذي جمع بين الحداثة شكلا كنص شعري نثري  وبين عراقة المفردات المستقاة من رصيد تراث قرآني وأدبي زاخر سنحاول رصده من خلال:

_أ_ البعد التوليدي وتحويل المعنى:

 في النص:

تشكل الحواس تعبيرات بلاغية تواصلية ترتبط بها أنساق سيميائية صورة وبلاغة[نسق شمي وآخر إيمائي وثالث بصري ورابع ذوقي. ] ،وهي تدل على البعد الثقافي والتصنيف الاجتماعي.

في هذا النص نجد تقابلا في الصور يعبر عن حالة عشق يعيشها الشاعر مستنجدا فنيا بصفات حسية وأخرى معنوية لأن “الصفة تلعب دورا في بناء لغة الشعر” *4*

؛وهي تدقق الموصوف وتعبر عن لحظات صراع بين معان مغرقة في الحسية وأخرى معنوية بحتة.

ونلاحظ كثرة الصور الحسية التي صورها النص  استجابة لنسق بصري يعتبر العين مسافة معبرة عن الحب وأهم مفاتيحه

(هكذا يأتي الحب الحياة من أبوابها بمفتاح النظرة)

تحيلنا إلى قول ابن حزم:”والعين باب القلب الشارع “أو كما قال:

“فليس لعيني عند غيرك موقف

كأنك ما يحكون من حجر البهت

أصرفها حيث انصرفت وكيفما

تقلبت كالمنعوت في النحو والنعت.” *5*

وتمثل هنا نوعا من الملحق النصي

الموسوم بصور توليدية تحافظ على المعنى باعتماد مفردات مغايرة.

كما في قوله أيضا (الحياة دونك شائعات. )

التي تمتح من البيتين الشعريين”

ومالي غير الود منك إرادة

ولا في سواه إليك خطاب

 إذا حزته فالأرض جمعاء والورى

هباء وسكان البلاد ذباب.”*6*

ورغم عدم استعمال المعجم الغزلي القديم إلا أنه رسم للحب والشوق والاشتهاء صورا متجددة بإيحاءات مختلفة ومشهدية خلاقة ترفض الجمود وتحتفي بالحركة فكان العشق تصحيحا للكنة الجسد، والرغبة قالب معبر  عنه بسر العين سيدة الحواس ومفتاحها لتفوقها على سرعة الصوت ولرؤيتها الألوان والكون بينما لا يتيح اللمس والذوق المتعة إلا بالقرب كما السمع والشم( يشدني إلى الدسم المسبح بجسدك يشدني إلى مهب المشم بين معجزتين يحملهما صدرك لهذا إني نبي الهواء الذي يضرب نهديك لهذا أنا سعيد بقلبي سعيد بفمي سعيد بفراشك يصحح لكنة جسدي)

فالحب عند الشاعر شعور وعلاقة مبنية بين اثنين ويندرج ضمن “سيرورة تدليلية”ترتبط بسياقات مختلفة أساسها تشاركية تمسك بلحظته الفارقة وتعيشه بتعال عن الحسابات المسبقة  واللاحقة فهو (تنشيط لنظرة نائمة في كحل /هو المسافة الماسكة للحياة من أشهى جراحها/

 مسافة لا لغو فيها ولا وصايا مستعملة ولا تدجين أنوثة ولا مهارات رجولة مكتظة بيتامى النزوات ونسخ الشهوات)

وفي هذا المقطع نجد انتقالا  بالمفردات من وضعها الواقعي إلى اعتبارها رمزا أوسع وليس أكبر فاللغة هنا “هي لغة الإشارة في حين أن اللغة العادية هي لغة الإيضاح *7*

إذن ارتقت اللغة اليومية (مسافة/مستعملة /النزوات/الشهوات )إلى مادة جمالية عبرت عن تجربة المبدع حين أخرجها  من وضعها الواقعي إلى اعتبار الرمز دالا أوسع وليس أكبر.

_ب_تفعيل المعنى:

 نجد في القصيد اهتماما بالثنائيات والتضاد فهو يحدد معنى الحب الحقيقي من خلال إسقاطه على مضامين ووجوه مزيفة لعلاقات تدعي أنها مبنية على الحب وذلك من خلال صور وجمل مبنية على التقابل والتضاد لأن”الوحدات الدالة لا تستمد قيمتها من إحالتها على مضمون إيجابي…بل هي كذلك في حدود إسقاطها  لعناصر تتقابل معها وتحدد مضامينها المتحققة والممكنة.”*8*

  من خلال المفردات وحقولها الدلالية حيث تبدأ القصيدة بمقطع متكون من جمل  إسمية خبرية تقريرية  في شكل  خاطرة تحدد إمكانات وشروط الحب ويقف الوصف بين الإثبات والنفي،فيصور لحظات هدوء يعقبها توتر هو بمثابة مد وجزر بين هذا وذاك.

لذلك اهتم الشاعر بكيفية صوغ الصور الشعرية وليس بالصور في حد ذاتها.فهي ج”تصب في نهاية الأمر في ثنائية ضدية تكشف عن مظاهر الصراع الخارجي دون أن يصيب دنيا الشاعر الداخلية بأي صدع أو تشقق.”*9*

بما يمنح النص معان  مشحونة دلاليا ومختلفة بتبديل مسار الدلالة اللفظية الأولى بصوغها في جملة شعرية جديدة تختلف في المعنى وما وراءه في انزياح وتجاوز للصورة اليقينية الأولى وتقديم لجمالية جديدة كما في قوله(فانتبهت إلى عيشة راضية أمشي في مناكبها. )

في استعارة جزئية لعبارة من الآية 7 من سورة القارعة “فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية.”ولعبارة من الآية 15 من سورة الملك “هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه.” في إشارة إلى التمكن من هذه الحياة الهنية ومناكبها أوتاد تشد خطوه فلا يميل عنها ويستمتع بمسافاتها. فهو حين (يدرك القمر مبرأ من عاهات الكسوف والخسوف والأفول. )في تعالق مع الآية 76 من سورة الأنعام “فلما جن عليه الليل رأى كوكبا.قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين.” تنفتح دلالة الأفول على ممكن ثان لإعادة توزيع للنظام اللساني للمفردة مجازيا بعد أن استعملت في النص القرآني كوصف  لكوكب سمته الظهور والاختفاء،لتنتج الذات الشعرية صورة متعالية عن الحقيقة سابحة في عالم الخيال المنزه عن كل عيب.

وإذا  ذهبنا إلى “التسليم بأن الشعر هو ابتكار لشريحة خاصة في اللغة.”كما يقول جون لويس جوبير.فعلينا التركيز على أن النص قد ارتبط بوظيفة انفعالية باعتماده ضمير المتكلم في بعض مقاطعه للتعبير عن انفعالاته ومواقفه (لا تقرؤني/لا أطعم /لشعري/لست معنيا/ذاكرتي/يشدني/ إني/أنا/فمي/جسدي /كنت/انتبهت/أمشي /أجتاح /أقترح /أهوي /أسلمت /أسلم )

_د_التحويل الثقافي:

الشعر لغة الخيال السابح في عالم الوهم ،يتعالى على الواقع ويسبق وجوده لقوله تعالى “في كل واد يهيمون.” “وما علمناه الشعر وما ينبغي له.” فالشعر وإن اقتبس عبارات وجملا  من القرآن  فليس بإمكانه مضاهاته بما أنه فعل إنساني منفلت عن المنطق بينما كتاب الله بيان وتبيين والشعر زنبقي لا يمكن الإمساك به فقط يمكن قراءة مستويات الشعرية فيه بإعادتها إلى سياقات تاريخية وفنية،فالقرآن يحيلنا على الحقيقة المطلقة أما الكلمات فلا تتحقق شعريتها إلا إذا تلفعت ببلاغة أسلوبية تخاطب الوجدان وتثير العاطفة نحو عالم  الحب والجمال مكتفية بالإشارة إلى المعنى الذي يؤوله المتلقي لأن “اللغة ليست أبدا بريئة،فالكلمات ذات ذاكرة ثانية تظل تلح على مثولها من خلال المعاني الجديدة، والكتابة بدقة هي هذه المصالحة بين الحرية والتذكر، إنها الحرية التي تتذكر، وليست حرة إلا في لحظة الاختيار. “كما يقول رولان بارث.

في هذا النص الشعري المنفتح على السرد نجد صورا مجازية واستعارات تعبر عن ذاكرة مسافرة عبر الزمن تراوح بين الماضي والحاضر دون أن يبطل الدليل المدلول بالخروج من عالم التشبيه والمجاز إلى عالم الصورة ؛وهي “تفر من قطاع الذهني إلى مملكة اللا مألوف.” *10* ففي قوله(شيطان الشعر جبان لا يثير النوايا ولا يسقي الحرث. )

إشارة واعية إلى قوله تعالى في الآية 71 من سورة البقرة”قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الحرث ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق وما كادوا يفعلون.”هو يشبه شيطان الشعر ببقرة بين ذلها تعبت من العمل ولا تسقي الحرث،فهو أخرس وغير ملهم كان بمثابة بئر معطلة فلما زاره الحب طار به إلى عوالم الكلم وبذخ المعاني أنقذه من خرس لازمه طويلا.

بينما نجد استبطانا في استعماله الصفة المشبهة مكين على وزن فعيل  في الجملة(تقشف قلبي من مؤمل مكين إلى عابر سبيل. ) للآية 54 من سورة يوسف “فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين.”

في انسجام وملاءمة للنص القرآني.

إضافة إلى أهمية الضمائر التي تحمل إشارات معبرة عن  رغبة الذات الشاعرة في الانصهار حد الذوبان في أنثى القصيد المشتهاة فهو يعتبر الشعر دعوة للتلصص على خمرة قلب يتأرجح بين رغبة جسدية وحاجة شعورية لتكون الأنثى معطفا وعاطفة.

علاوة على استعمال فعل  في صيغة الأمر

(تعالي.)  واسم الفعل (هلمي )

ويلعب الفضاء على درجات سلم الحدث في مقابلة الذات المتكلمة والثانية المخاطبة للتعبير عن تنصل الشاعر  من السائد ولوصف تفرد رؤيته للعشق والعاشقين فأصبح المكان(

الخرائب المسكونة بغربان الروح/ مطبخا للخبائث../حبل النسيان/تثاؤب المدن..)

 والزمان (شتائم الخريف/غموض الصباحات/مغارب الأيام/ أتلو العمر نهرا يابسا…)

 دلالة على التوتر والرفض واندس في متن النص بتكثيف استعاره الشاعر من الققج.

وهذا يحيلنا على بنية الرجاء فقد

 استعمل الشاعر  ضمير المخاطب ليعطي للقصيد وظيفة إفهامية فيها الالتماس والرجاء

تظهر من خلال اللغة الذاتية المبثوثة في ثنايا النص في نزعة سردية قائمة على المفارقات بين رؤية الذات الشاعرة وما يوفره الواقع من نسخ مزيفة ومستهلكة للحب لا تستجيب لذائقتها الشعرية وبين المنشود،فتلجأ إلى مخاطبة أنثى القصيد الاستثنائية في محاولة إقناعها، ونجد ثنائية الفراغ والامتلاء مسيطرة على مقطع الرجاء.

فالذات الشعرية تعيش فراغا بمثابة تفريغ  لروحها من شوائب الماضي والحاضر والآتي،وتتبرأ من مقاسات خاطئة للحب كدرت صفو التجلي والانعتاق،  وقد وصفتها بالكلاب الثمانية التي

سلبت الحب معاني وجوده وشوهته (حب لا

يمسه ندم ولا فراق ولا شك ولا حسرة ولا غياب ولا شبه ولا حزن ولا صدأ. )لذلك قدم الشاعر  حججا من واقعه المفرغ والمفزع

 (تقشف قلبي.. / تناهبته مغارب الأيام وتثاؤب المدن حتى انتبه الكلام إلى نقصانه من نون النسوة )  وقد استعمل  في قوله (كنت بعدها ثاويا في حلم من محاولات عجاف أتلو العمر نهرا يابسا مسكونا بالعزلة ونباتات الوحشة)

مفردتي {عجاف ،يابسا }في استعارة جزئية من الآية 46 من سورة يوسف”يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون.”

كناية  عن الخواء والوحدة والفراغ العاطفي.

 ثم أصبح

ممتلئا  بالمعشوقة يأخذ منها عهد وصل لا ينفرط (ولا في الصواب المتماسك والمعتصم بحبل منك. )

يعيدنا  إلى الآية 16 من سورة آل عمران “واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا.”وقول الأعشى “وإذا تجوزها حبال قبيلة

 أخذت من الأخرى إليك حبالها.”

 يشدني إلى روح زاكية. )

في تناص كلي مع قول الشاعر علي جارم في أحد أبيات قصيدته”اللغة العربية”التي نظمها سنة 1934″جدب به تنبت الأحلام زاكية

إن الحجارة قد تنشق عن ذهب.”

وفي غمرة الامتلاء حد الانصهار والذوبان يدخل الشاعر في لحظات نكران للذات حد التلاشي أمام سطوة العشق وسحر أنثاه فتتساوى لحظة الميلاد الجديد بطمس ماض بكل ما فيه من إحباط لتصبح القصيدة بناء فلسفيا قائما على ثنائية ثالثة تحيلنا إلى كينونة الإنسان جسدا وروحا والرغبة في الانعتاق من قصور الحس نحو عالم الروح على خطى أعلام التصوف الذين يعبرون عن التدرج في مقامات الوجود التي بدأت في النص  بمقام القلق منذ أول وصيد مرورا بالمكابدة والمكاشفة وصولا إلى المشاهدة والتجلي 

(فتعالي إلى …/هلمي إلى رجل يداه رغبتان …. توبتان …توبة الشعر إذا تعثر في أسمائك وتوبة الحب إذا تقاصر عن إشباعك إلى رجل يداه حمامتان مفعمتان بالندم … عائدتان من التعب المرير إلى جمال مغفرتك)

خاتمة:

نص بمثابة المصورة بما هي محسوس دال حاضر يحيلنا إلى آخر مضمر وأداة لتمثيل ما ندركه ذهنيا، وهي تلعب دورا داخل سيرورة العلامة مرتكزة على أنساق ومصطلحات منطقية ووظيفية.أرجو أن أكون قد وفقت في تحليل ما تقوله بعض  مدلولات هذه القصيدة في مستواها الثاني وأن تكون مساءلتي لوظائف عناصرها اللغوية صائبة لأن الغرض من الدراسة ليس محاكاة ما يقوله الشاعر”ولو كان الشاعر يريد  أن يقول هذا لقاله.”كما قال أندري بريتون. بل لأننا “يجب أن نتعامل مع المعنى في اللغة والأشياء والممارسات باعتباره كيانا هاربا من حالات التعيين المباشر ليستوطن الظل واللا شعور وبؤرة الفعل المنفلت من كل رقابة.” *11*

الهوامش

*1*

علي بن حزم الأندلسي :طوق الحمامة في الألفة والألاف،ص 18

.ج1

*2* علي حرب:الحقيقة والمجاز نظرة لغوية في العقل والدولة،ص6.

*3* سعيد بنكراد:السيميائيات،النشأة والموضوع، ص 151.

*5* يوسف سامي اليوسف:الشعر العربي المعاصر،دمشق 1980.ص 15

*6* سعيد بنكراد :السيميائيات والمناهج.

*7* صلاح فضل:شفرات النص،ص 11.

*8* جون كوين: بناء لغة الشعر،ترجمة أحمد درويش ،القاهرة ،مكتبة الزهراء 1985،الباب الرابع.

*9*علي بن حزم الأندلسي :طوق الحمامة في الألفة والألاف،ص 17

*10* المصدر السابق .ص 8.

*11* سعيد بنكراد: مسالك المعنى ،دراسات في الأنساق الثقافية.شرفات سلسلة 48.

نص القصيد: عاشق أكثر مما ينبغي

الحب تنشيط لنظرة نائمة في كحل

هو المسافة الماسكة للحياة من أشهى جراحها

 مسافة لا لغو فيها ولا وصايا مستعملة ولا تدجين أنوثة ولا مهارات رجولة مكتظة بيتامى النزوات ونسخ الشهوات

 مسافة ليس من حرج عليها لأنها أصح صيغ الحياة مواقيتا لبلوغ الأسرار سن تعارفها

 القلب بالقلب والظل بالظل والآه بالآه والجمر بالجمر

مسافة لا ترمى فيها النفايات الشائعة من قبيل الفراق والذبول والشك والمشاعر المرتبة تنازليا ونباح العادات المسنة

هذه النفايات موجودة وبدقة في الطبعات العادية من الحب وبوضوح شجاع هي ليست طبعات حب بقدر ماهي طرائق مراهقة تعمل كمكبرات لصوت الخرائب المسكونة بغربان الروح وهسيس الشبق المنتهية صلاحيته

لا تقرأني مثل هذه النفايات ولا أطعم بها ذائقة الشعور ولا تنمو عليها الذاكرة ليست أقمصة لشعري ولا هي كلاب صيد تتمرن على غزالة احتياطية 

ليس الحب مطبخا لهذه الخبائث الفائقة الخبائث المحظوظة

 في عترة النساء المنشورة على حبل النسيان

وكل حب يلحق بهذا فالمشاعر فيه أشغال شاقة للقلب

لست معنيا بهذا التكاثر لا في ذاكرتي تتمشى جهرا في قصائدي كدعوة للتلصص على خمرة قلبي ولا في الصواب المتماسك والمعتصم بحبل منك يشدني إلى روح زاكية يشدني إلى الدسم المسبح بجسدك يشدني إلى مهب المشم بين معجزتين يحملهما صدرك لهذا إني نبي الهواء الذي يضرب نهديك لهذا أنا سعيد بقلبي سعيد بفمي سعيد بفراشك يصحح لكنة جسدي

هكذا يأتي الحب الحياة من أبوابها بمفتاح النظرة

 مفتاح واحد لأبواب متفرقة مفتاح تكبدت فيه الحواس سنن الانتظار وشتائم الخريف وغموض الصباحات تتصيد المفتاح من مخابئ القدر حتى تقشف قلبي من مؤمل مكين إلى عابر سبيل تناهبته مغارب الأيام وتثاؤب المدن حتى انتبه الكلام إلى نقصانه من نون النسوة وكنت بعدها ثاويا في حلم من محاولات عجاف أتلو العمر نهرا يابسا مسكونا بالعزلة ونباتات الوحشة وكان حينها شيطان الشعر جبانا لا يثير النوايا ولا يسقي الحرث

كنت في العزلة رجلين يقتتلان على إمرأة تغط في مجيء ممتنع أحدهما يسقي عريها في القصيدة خمرا والآخر مصلوبا على توحده تأكل الأيام من عمره حتى دلف الحب على حين غفلة منهما قال ما خطبكما قالا نقتسم بئرا معطلة

قال لا تثريب عليكما وقادهما إلى ظل وسرير فانتبهت إلى عيشة راضية أمشي في مناكبها كطاووس يغدق بالفخر والقافية

بهذا الوضوح الساحق اجتاح العتبات الغامضة للحب وأقترح عمري حبيبا يدرك القمر مبرأ من عاهات الكسوف والخسوف والأفول وبهذا النقاش المصحح من النساء وحروف الجر ونباح الشبه وطفح الاستعارات أهوي في قرة عينك في دنانك

رطبا جنيا يهتف في فمك بشغف المذاق نصر من الحب وفتح يدك عبارة الحياة بدأب الحب

لا الشعر يستولي على خرائطك ولا الحب يستوفي ظلالك لأنك ضرورة للقدر تمام الفضل في رميها على وجعي فاستحال قلبا

وقاه قلبك شر النفاثات في الرماد وأهدته حبا لا يمسه ندم ولا فراق ولا شك ولا حسرة ولا غياب ولا شبه ولا حزن ولا صدأ

تلك ثمانية كلاب تلاشى نباحها في المسافة بيني وبينك فتعالي نشكر هذا البيت الذي أطعمنا من حب وآمننا من فراق

أسلمت كل مبررات الهجر على لذة قلبك أسلمت كل الكلمات لتكون حبا أسلمت الدنيا لتكون صوتا وأسلمت أنا لأكون حيا

أسلم الماضي شكرا للحاضر أسلم الحاضر كي يكون أشد حضورا أسلم القادم كي لا أتجزأ إلى من قبل ومن بعد. 

الحياة دونك شائعات

هلمي إلى رجل يداه رغبتان …. توبتان …توبة الشعر إذا تعثر في أسمائك وتوبة الحب إذا تقاصر عن إشباعك إلى رجل يداه حمامتان مفعمتان بالندم … عائدتان من التعب المرير إلى جمال مغفرتك 

مهلا على قلبي  لم يكن كفؤا للمهابة …

حيدر الأديب /العراق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*