أمل الحياة..! بقلم ميساء الحاجي من تونس.

الحياة… الحياة يا عزيزي مربكة محيرة. حادثة الولادة ترميك في معترك الحياة و ترغمك على المجابهة إلى أن يشتد عودك. و لكننا مهما كبرنا، و مهما إهترئنا في سباق العمر لا نتعلم الكثير و ربما لا نتعلم القليل حتى. و ما هذا الذي يدفعنا للحياة و لحب الحياة و يرغمنا على المقاومة؟ أحيانا يصل المرء إلى مفترق طرق في مدينته الكبيرة فلا يدري أي طريق يسلك و لا يدري ما هو المصير الذي ينتظره. ما ينفك يفكر و قد إجتاحه التفكير إلى أن أغشاه متعبا، منهكا من معترك الحياة. هو متعب، مجهد، مرتبك، حائر لا من الموقف في حد ذاته و إنما من تكرار نفسه في كل موقف. من روتينه اليومي، من الصوت الذي يصدح في باله فيفجر رأسه، من معاشرته للكد و الكدح. دفعته حادثة الولادة إلى معركة الحياة و هو قد خسر كم خسارة و قد ذاق ذرعه من الخسائر. يتجرع اليومي على مضض. و يغزل حياته بنوع من الإكراه إذ تكبله المسؤوليات و تمنعه عن الحياة. ما كان ينتظر كل هذا الجفاء و لا كل هذه الكسور. و قد تراكمت الكسور في جوف قلبه و ملئته فوق الهم هما. تائه هو في شوارعه، غائب عن الوعي، شارد في المجهول. يراوده الماضي من حين لآخر و يرغب في البكاء أو ربما العويل. يبحث عن المستقبل في طيات حاضره و يرغب في أن يهرول نحوه. و في وسط كل هذه الفوضى ينسى أن يعيش حاضره. ها هو الآن يقارب الخمسين من العمر. – في ما مضى نصف قرن؟ يتسائل -و كيف مضى؟ بل كيف عجل بالمرور فإخترقني و أحرقني. و لا زال في مفاوضاته مع نفسه. تلك النفس التي فقدت الروح مذ فقدته. فقدت كل أبعادها مذ هجرها. فقدت هي الأخرى نفسها. هي لا تلومه. فما نفع اللوم بعد أن إنقضى نصف قرن؟ هل يمكن أن ترمم بعد نصف قرن؟ كلاهما يستبعد الإحتمال. جمع كتبه، أغلق باب غرفته، أطفئ المذياع و جلس يتأمل. إن الرتابة و الروتين و الطموح و إندفاعه قد سرقوا منه نفسه ببراعة. ملئ بالأفكار عن آخره و ما عاد يطيق شيئا. خيبة أخرى كفيلة بأن تمزقه. يضحك ساخرا في سره “فليكن! لن تكون هذه أول مرة يمزق فيها. و لا حتى الأخيرة. فلما يشغل باله؟” بدأ اليأس يتسلل إلى فؤاده. و تجلت العصبية على ملامحه. في الحقيقة هو لم يكن غافلا عن عمره الذي ضاع منه بل كان يتغافل بشيء من الإستهتار. ندم وشاء لو كتب له عمر آخر، عمر جديد، ولادة تصادف ما تبقى من طريقه فتنقذه من زنزانة جسده و عاداته و مجتمعه… و من زنزانة التفكير. إنقساماته المتكررة أغدته ضحية نفسه. يود لو يسترخي، لو يهدأ روعه، لو يمضي بسلام. الأمر معقد أكثر مما يبدو. يبحث عن نفسه في وسط كومة الخراب. تتكاتف المآسي و تمزقه شوقا و حنينا و خيبة و كسرا و ضعفا و مقاومة. كل المتناقضات تجتمع و تهاجم مخيلته دفعة واحدة. قطع قلبه تتشتت، تندثر، تتساقط، تتفتفت. خاطره يحتاج ترياقا فعالا ينفع ليشفيه من معضلة الحياة. كم ندم على قراراته السابقة، كم شك في من حوله، كم لام نفسه و القدر. و هاهو يعود لشغفه الأول: الرسم. هو لا يرسم إلا في اللحظات الحرجة التي تغزوه فيها المشاعر المختلطة. ينفث إنفعالاته في لوحة واحدة دفعة واحدة. كأنه يغتصب اللوحة بشراسة و بشاعة و قذارة. لا يدري كيف يفض إشتباكات نفسه. لأول مرة يشعر بالعجز. و أي لجوء سياسي ينقذه من الحرب التي ستقوم؟ أو لعلها قامت بالفعل. لا بد من حالة هدنة على الأقل بما أن السلام حاليا لم يعد ممكنا. يلطخ اللوحة ألوانها بغضب و عصبية. يخلط هذا اللون و ذاك دون أن يخمن للحظة واحدة. ما عاد يبحث عن جمالية في عمله الفني. هو فقط يبحث عن تنفيس عصبيته و سخطه. في الحقيقة الحرب التي قامت بداخله لم تكن مصادفة. كانت هناك بوادر. و لكنه مثله مثل الحاكم في بلد مستعمر. لا سلطة له و لا إمرة. و قد إشتد غضب شعبه. هو في ورطة حقيقية هذه المرة. فهذه المرة ليست كسابقاتها. ليست كسابقاتها قط. تصيبه رعشة فجأة و يسقط القلم من بين أصابعه. نظر لعمله الفني بإرتباك ثم يمسكه فيصفعه أرضا. حتى الرسم لم يستطع أن ينقضه من حالة الفزع هذه المرة. هل دق ناقوس الخطر؟ لم يعد يدري! لم يعد قادرا على الإحساس بشيء. لا بد أن يهدأ، لا بد أن يستغفر، لا بد أن يلجئ لشيء آخر. شيء أكثر أمانا، أكثر صدقا، أكثر فعالية: الصلاة… صلى و صفى ذهنه و نسي اللوحة و الرسم و تنفس الصعداء. لكنه لم يجتز بعد الأزمة بنجاح. شغل الراديو من جديد. تغني فيروز:” في أمل إيه في أمل. أوقات بيطلع من ملل و أوقات بيرجع من شي لحنين لحظة تيخفف زعل. و بيذكرني فيك لون شبابي بس ما بينسيني لي حصل” و كأنها تتوجه إليه فتواسيه”في أمل” هل هذا مؤشر من الله؟ و إلا لماذا لم يسمعها إلا بعدما صلى؟ فتوكل على الله من جديد و تناسى حالة الضياع التي إكتسحته و لو أنه لم يتجاوزها بعد. سجن النفس و التفكير و هلاويس الماضي و المستقبل أحقر و أسوأ سجن يمكن أن يقع المرء ضحية له. حقا محاولة إصلاح الأمور و إنقاذ الموقف في كل مرة أصبح خانقا، عبئا ثقيلا. ثذبذب الحالة النفسية للمرء و الإنفعالات المتكررة و الشجارات المتكررة تجعل من الأيام أحداثا مقيتة، مسطعصية. فماذا لو خذلك العمر بأكمله؟ ماذا لو إشتدت المحن و تتالت في كل يوم جديد، و مع كل نفس….لحظات مرت من العمر أو العمر هو من مر في لحظات. و نحن لا نملك من العمر شيئا سوى أن نتمنى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*