لست فقاعة بفم سمكة..! بقلم الشاعرة حنان بدران من فلسطين.

يا سيدي
فسائل الكلمات
تبكي أنفاسُ الرمل
وحدها عند الشاطىء
تروح موجة عابرة
وحدها تغدو وما من نسائم
لا التماع على سطح البحر الرمادي
وثمة جرف في الشاطىء
فرعنت في السهول
اختلط الدم بالحنين
بالزجاج والفخار
ساعة البروق يلفها غسيلُ العاصفةِ
وهي تقطر بالدماء
نوشوش بالأعتراف
هذا الليل حالك جدا
النهار يغلي ملتهبا
ناضجا للموت تعبا
تركلني الزوابع ظلما
أيها الحقد الإنساني
لن أبدد ما بداخلي
ناديت بالجلادين
لأقضم أطراف بنادقهم
ناديت الكوارث
لأختنق بالرمل والدم
تمددت بالوحل
بكل الخطايا التي ورثتها عن أجدادي
الغضب
الكذب
الكسل
الفجور
عبادة آلهتي التمرية
يا سيدي
البارحة دفنت البحر في شاطئ البحر بيدي
وكفنت زهورها قرب المرفأ
ها هو صدر أمي يمتد كعصف مأكول
انشق الحجر
فامطرت الأرض طيور أبابيل
وأنا أكتب قصيدة
الصخر المنصهر …!!!
يا سيدي
اسأل مقبرة التاريخ في قلب أمي
إذا لم تصدقني
اسألوها
اسألوها
اسألوها
عن دفء الدماء
حين كنا أقوى من الموت
وهذه الدنيا لنا
تنبض أرضنا بالسوسنة
كنا عبر الزمان أقوى من الموت
حين زرعنا في أرضنا
فصارت غصنا
من قتلانا صنعنا أفقنا
ومنهم عرفنا دربنا
أيها الموت
هل شبعت من لحمي
بعد أن سلقت عظامي
يا فنيق الأرز
من قتلانا عرفنا دربنا
فإذا شئت مزق الصدر لنا
لن ترى إلا السنى
والموطنا
والمنى
أقوى من الموت فتحنا قلبنا
للجميع حتى تنبت الأرض قلوبنا
وردة من دمنا ..!!
كل سيحترق بشمسه
وأنا أذوب في المنفى كشمعة خجولة ..!!!
يا سيدي
ما زلنا تلك الشعوب
التي تسطر مجدها
نصفها في القبور
ونصفها الآخر “ازهايمر” والباقي منه مشلول
لزجون ، عرق ، حصى البحر
وزرافات الجنازات من أبنائي وأحبابي
في زوايا الطرقات التي تدفأ بأنفاسهم
يشخصون بعيونهم إلى المذبح
والمنشدون يرتلون أشعارهم التقيه
فقراء ندعي السعادة كالكلاب الذليلة
يرمقونك بصلواتهم اللجوجة
كلنا نقطر إيمانا أبله بأشكالنا المهلهلة
نبرة الورع تتلاشى في الابتسامات الباهته
يا الله لا تلقي علينا
بأطراف أصابعك الصفراء
لنقع في قبلة الماء من جرن السماء المقدس
يا سيدي..
أنت وأتباعك تلكون الكلام
أهازيج ضائعة كالسيوف الذهبية
وأمي تنقش فوق الرمل
أسماء قتلاها …!!!!
يا سيدي
علمتني القسوة
وأنت تدوس قلوب الآخرين
تمتهن تفتيت أحلامهم وكرامتهم
تسحق كبرياء الصمت
تجلدهم
لماذا تستغرب أن تكون أول من يجلد
في قانون ما علمتهم…!!!
يا سيدي
طالبت جلادي حين اعدامي
قلما وورقة وشربة ماء
أبتسم بخباثة وقال : ممنوع
القانون الدولي يحرّم ذلك
لكنهم يا سيدي في سجون العالم
يلبون الطلب الأخير
صرخ بوجهي لا تصدق ذلك
لا تصدق
لا تصدق …!!!
يا سيدي لن أصدق
ظلّت نابلس على رؤوس الجبال
تشاهد البانوراما المقدّسة
هم لحم آدمي تحت جنازير دبابتهم
هم أهلي عشيرتي الّذين ذبحوا بعز النّوم
وما زالت صورهم تلاحقني
هم لحمي ودمي الذين يتقلبون
من أسى يذيب الصخر
يا أرز بيروت المنسكب دمعه فوق الشّقوق
يا جبل الشيخ الملطخة لحيته بالشيب والدمّ
ضم غربة قلبي الملسوع
وتشققاته ..
ضم حيتان البحر ، وثعالبه
ضم مناجلي الصدئة
ضم ثيابنا الأرجوانية اللون
وبريدنا ملغوما للقراء …وست غارات
ضم نجوم أرضنا الخضراء
تسبح في بركة السماء
ضم النخيل والزيتون والأرز والصفصاف
وبقايا أشجار الياسمين وما بقي من أشجار القهوة
ضم الجنادب والحساسين وكل أسلحة المدى
ضمنا احياء أموات تحت أنقاض الحياة
يا جلادي لا ترحم عنقي
وأنت تضم غربة قلبي وتشققاته
أيها المدى الممتد في العراء والخواء
أيها المنفى كالكلب المسعور ..!!!!
يا سيدي
هذه ليست قصيدة
ليس موتا ولا ندبة في الحرب
ولا بالون شفاف كالفقاعة
كما أنها ليست طائرة “شادي”
تبحث عن الطفولة على مر الزمان
ثمت خرسٌ عقد اللسان ليقول ما لا يُرى
ذكريات تموء تحت الظّل
فيها دروب للجنازات الطويلة
وفي فمي ماء يموت
وأنا سجينة خلف قضبان الحياة
تقودني الدروب لصقيع ليلٍ بارد
في حَجر الراحلين نهر
وأمواج كثيرة
تسري إلى جيوب الفراغ… !!!

من سلسلة كتاب يا سيدي

حنان بدران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*