-ستشعرين بالغربة…! بقلم الكاتبة سيليا عيساوي من الجزائر.

تاريخ الصورة 13/02//2019
قرب وزارة التربية و التعليم /رويسو / العاصمة

-كيف بإمكان الإنسان أن يشعر بالغربة ؟ ألا تجمعنا سماء واحدة يا أبت ؟-قلت لك ستشعرين بالغربة !- لابد للزغب أن ينمو و لابد للعصفور أن يطير .- ستهترأ قدماك من طول مشقة الطرق و سيحكمك الخوف و سيبدو عليك الوهن في كل مكان .في عينيك على وجهك أسفل ظهرك تحت ركبيتك و إني لأخاف عليك من ضيق الطرقات ، أخاف عليك من كثرتها . أخاف عليك من زحمتها ،أخاف عليك من ندرتهاو أخاف عليك جدا من أن تضيعي الطريق يا بنيتي .- و هل يمنعني خوفك من أن أجرب الدنيا يا أبت ؟- الحكمة ليس في أن ترفرفي بعيدا عن أسوار العش بجناحين مازالا طازجين .- وهل الحكمة أن أموت اختناقا داخل جيب سترتك الداخلية ؟دعني أرفرف بعيدا عن العش يا أبت !-خارج السور يا بنيتي ينجو واحد و يموت مئة . و البنادق. بنادق الصيادين تتدلى من كل مكان و اللعاب يسيل من فاهها وهي تنتظر موعد الإطلاق .حتى السماء .حتى السماء التي ترينها من هنا رحبة و شهية ما هي إلا خدعة لتقعي عمياء ما بين كثافة رمادية الغيوم .- أكره طقطقة الأصفاد في يدي .ما بال الأوكسجين هنا ضئيل؟ انظر طولي ازداد كثيرا و العش قد ضاق بي أشعر أن هنالك خطبا في رئتيي أنا بالكاد أتنفس .هل هكذا يكون سرطان الرئة يا ترى ؟ ياااه انظر إلى زرقة السماء ما أجملهاوحدها السماء من تليق بيأطلق يداي أرجوك أبت !اذهبي طليقة..لكن اعلمي أن لا أحد يعود مثلما غادر يا بنيتي .هكذا صممت أن أغادر العش بإلحاح و غادرت .كانت فكرة الذهاب إلى جبال الشريعة (البليدة) و اللعب بالثلج هناك فكرة عظيمة جدا .خاصة في ظل الظروف و الضغوطات التي كنت أعانيها. كانت السنة الأخيرة لنا في المدرسة .لا أنكر أني لم أكن أطيق أغلب من كانوا بدفعتي ولا هم كانوا يطيقونني – لسبب بسيط أني كنت ربما أكثرهم صدقا و عفوية و كنت معهم في مواقف عديدة صريحة جدا لدرجة الحدة و الفظاظة-.لكني لا أنكر أني استمعت كثيرا يومها . كان الكل يبتسم في وجه الآخر و كأنها آخر مرة سيبتسم فيها . و كان الكل سعيدا و أنا كذلك كنت سعيدة .شعرت بكثير من المشاعر التي يصعب علي تفسيرها .شعرت بكثير من الحب اتجاههم ، شعرت بالقرب ، شعرت بالألفة و شعرت كذلك بكثير من الحزن لأني سأفارقهم .كنت أفكر في سري : “كيف بإمكانك يا سيليا أن تشعري بكل هذه المشاعر الممتزجة دفعة واحدة “؟”هل تحملين في صدرك قلبين؟. قلبا تفرحين وتحلقين به كالعصفورة تارة و قلبا آخر تقعين به بسرعة غزالة فريسة للحزن تارة أخرى “؟”لماذا أنت هكذا مفرطة المشاعر ؟.لماذا ينبغي عليك أن تشعري بكل شيء بإسراف “؟”ألا تخافين أن تقتلك يوما مشاعرك ” ؟ “هل بإمكان المشاعر أن تقتل إنسانا “؟ “معقول” ؟لم أكن أصدق متى تركن الحافلة التي أقلتنا حتى أقفز إلى هضيبات الثلوج و أقتطف منها -ما احتملت يداي من برودة – ثلجا و أصنع منه كريات صغيرة أشاكس بها الأصدقاء. كنت أتمرغ بطفولة على الثلج و أتزحلق كالمجنونة على ظهري من أعلى الهضبة إلى أسفلها .حتى أنني كدت احدى المرات أن أنجرف بعيدا إلى الأسفل لو لم يتدخل زميل لي و أمسكني .حالة الجنون التي أثرتها بطفولتي وحماستي الزائدة أثارت إعجاب بعض الفتيات والشبان وانضموا إلى الجنون .انضموا إلي.كنا نضرب بعضنا بالثلج و نركض و نضحك حتى أن انضم إلينا شاب بعينين ملونتين .قام -بيديه الكبيرتين -بصنع بالونة كبيرة من الثلج و قذف بها إلى رأسي.شعرت بالغليان كوني لا أعرفه و كون أن البالونة أوجعت رأسي كثيرا. -“اسمع انت ماشي هكا يلعبو الناس معليش ” !فيرد علي ببالونة ثلج أخرى .و يركض و أركض أنا وراءه كالمجنونة حاملة في يدي بالونة ثلج .لم أكن أتقن الرمي مثله و ذلك ما أغاضني كثيرا .كانت أغلب البالونات التي أضربه بها تطير في السماء .في احدى المرات بينما كنت منشغلة بصنع بالونة أتى خلفي ووضع تحت كنزتي الصوفية قطعة كاملة من الثلج .شعرت بالكهرباء و كأنها تسري في جسدي .حملت بالونة الثلج في يدي و أخذت أجري خلفه و أصرخ ” لالا واقيلا انت هبلت رسمي استنى نوريلك ” .لا أدري كيف استطعت أن أدركه و لا أدري كيف استطعت أن أمسك به و أخذت أحك ببالونة الثلج على وجهه و أصرخ : “ماشي هكا يلعبو الناس ماشي هكا يلعبو الناس ” .لأني أدركت أن ضربته ستكون أقوى و أقسى -قبل أن تذوب بالونة الثلج بين يدي -هربت . كنت أركض في كل الاتجاهات وهو يتبعني و أنا لا أدري أي اتجاه أسلك .محاولة الاختباء بين الزملاء ستجعل إمكانية إمساكه بي أسهل . لهذا أقلعت عنها و أخذت أجري ما بين أكوام الثلوج .شعرت بيده الممدة تكاد تمسكني من كنزتي من الخلف . فمن دون أن أشعر و أنا أنظر إلى الوراء .تزحلقت و وقعت .عدت في المساء إلى السكن الجامعي بشعر منكوش و بعينين ملطختين بالكحلو بقرط واحد طويل يتيمو بسروال جينز فقد زرقته إثر التزحلقكنت متعبة جدا فنمت بملابسي و هي مبللة.صحوت قرابة الثانية فجرا إثر كابوس مزعج جدا .لا أدري لماذا صارت الكوابيس تزورني بكثرة فترتها . ربما لأني أنسى أحيانا كثيرة بفعل التعب أن أقرأ المعوذتين قبل النوم .أو ربما لأني أصلي غالبا بطلاء أظافر أو ربما لأني أغني بكل مكان حتى في حجرة الحمام أو ربما لأنه يحصل كثيرا و أكذب على أبي .انكمشت على نفسي حتى كادتا ركبتي أن تصلا إلى فمي .أخذت التلفون كونه الشيء الوحيد في الغرفة الذي أستطيع من خلاله أن أنشغل به قليلا عن مخاوفي .فتحت الفايسبوكعاجل : بعد قليل و بناء على مصدر موثوق تم العثور على جثة طالب جامعي مذبوحا بسكين داخل غرفته بالإقامة الجامعية طالب عبد الرحمان 2 ببن عكنون .الطالب اسمه “أصيل ” سنة ثالثة في كلية الطب .ينحدر من ولاية برج بوعريريج و…قرأت الخبر فانكمشت على نفسي أكثر .كنت أحملق في صورته .كان وسيما للغاية . هل معقول أن هذا الوجه سيواري التراب و هو ابن اثنين وعشرين سنة فقط ؟كان في كلية الطب .هه أراهن أنه كان حلم الأب .فكل الآباء يحبون أن يروا من أبنائهم أطباء .كان يقيم في الإقامة التي بقرب الثانوية التي كنت أدرس بها.كان يسلك يوميا الطريق الذي كنت أسلكه . ربما حدث يوما أن وضع رجله هو الآخر نفس الحفرة التي كدت أن أقع بفعلها مرة و أنا أركض حتى لا أصل متأخرة عن التلاميذ .كان بإمكاننا ربما أن نلتقي مرة لولا زحمة الطريق بالتلاميذ لولا لم أكن أركض كل مساء مخافة أن يفوتني الباص لولا لم يكترث بدروس الطب مرة و أخذ سيجارة عند باب الإقامةلولا السفاحين كان بإمكاننا أن نلتقي كان بإمكانه أن يهديني يوما وردة و كان بإمكاني أن أهديه يوما قصيدة لولا السفاحين كان بإمكاننا أن نلتقي يوما على قربسماعة و قصيدة .كنت أتوقع صباح الغد أن أجد العاصمة منتفضة لكنني استفقت صباحا على خيبة أكبر من الخوف والألم الذي نمت عليه .كان كل شيء يسير بشكل طبيعي .الطرقات مفتوحةالمتاجر مفتوحة العيادات مفتوحة روضات الأطفال مفتوحة حتى الجامعات التي كان ينبغي عليها أن تكون أول من ينتفض كانت مفتوحة . حتى جامعة بن عكنون حتى كلية الطب !حتى كلية الطب كانت مفتوحة !يا اللله ! متى قام هذا الشعب بابتلاع حنجرته ؟!هل نسي من ثورة نوفمبر 54 كيف ينتفض ؟هل هذا ” أصيل” الذي أغتيل مجرد رقم في السجلات ؟ هل هو مجرد جرذ قضي عليه في ركن غرفة جامعية مهترئة ؟هل هذا “العياشي ” الذي سبقه بالموت اختناقا داخل البئرمجرد قصة مخيفة ترويها الأمهات حتى يكف أطفالهن عن العناد والمشاكسة ؟أمس كان “عياشي”اليوم كان “أصيل “غدا على من سيقع الدور ؟هذه البلاد يا الله صارت مثل سمكة القرش.كنت على متن الباص متجهة نحو وزارة التربية و التعليم و كنت لا أشم شيئا غير رائحة موت أصيل !فتحت تلفوني على صورته و أخذت أحدق في ابتسامته ستنسى يا أصيل كأنك لم تكن ستنسى كعود ثقاب محترق كأعقاب سبجارة مرمية كشارع مهجور ستنسى !ستنسى كأغاني الطرب القديمةكعلم وطن محتل كشالوم العرب ستنسى !وصلت إلى رويسو بقدمين تسيران إلى الخلف كلما تقدمت خطوة نحو الأمام . لم أزر المكان من قبل .المرة الوحيدة التي جئته فيها كانت المرة التي سقنا فيها كالمجرمين نحو الباصات لنرمى عند الطريق السيار خائفين ،جائعين و يتيمين بلا وطن و تهمتنا الوحيدة كانت “طالب بالمدرسة العليا للأساتذة” .اقتربت من مبنى “وزارة التربية والتعليم ” كان يبدو لي المبنى ضخما جدا و كنت أشعر به يزداد ضخامة و كنت أشعر بنفسي أزداد تضاؤلا كلما اقتربت خطوة نحوه.”

#وزارة_التربية_والتعليم “كانت تبدو لي اللافتة مرتفعة جدا و كنت أشعر أني لن أدركها حتى لو صعدت سلما .في صغري كنت أريد أن أكون طبيبة حتى يتسنى لي أن أخيط كل جراح بلادي و كنت أريد أن أكون قاضية حتى يعم الأمن و الأمان في بلادي و كنت أريد أن أكون إعلامية حتى أبتدأ البرنامج ب “صباح الخير يا جزائر”لكني يومها بقامتي القصيرة و وزني الضئيل أمام مبنى ليس أضخم من أحلامي أدركت أنني أستطيع أن أصنع كل ذاك أستطيع أن أصنع الطبيب و القاضيو الإعلامي هكذا فقط استطعت أن أقف بثقة أكبر أمام الموظف عند باب الوزارة حينما سألني “من تكونين ” ؟فأجبت -بعنق مشرئب أكثر من ذي قبل : “أنا أستاذة “.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*