الملامح السردية في شعر الشاعرة التونسية نفيسة التريكي.. البؤرة المستقطبة لتجليات السرد والقصة بقلم الكاتب محمد المحسن من تونس.

في البدء،لا أستطيع أ ن أزعم أن هذه القراءة تقدم تحليلا شاملا لخصائص الملامح الشعرية عند الشاعرة التونسية – نفيسة التريكي-و إنما هي مقاربة نقدية،ومدخل تحليلي لعرض بعض السمات والخصائص والبنيات الحكائية والحوارية والدرامية في شعرها، وتحليلها في ضوء الدراسات الحديثة التي إستجدت عن الملامح الدرامية في الشعر الأوروبي عامة، والشعر العربي الحديث خاصة ..

ومن هنا،وعلى الرغم من التطور والتجديد التقني والتشكيلي والبنائي والأسلوبي والتيمي الذي لحق بقصائد-نفيسة التريكي-والذي أكسبها (القصائد)بعدا حديثا وتجديدا معاصرا،فإن شعرها يعد صالحا لفحص ومدارسة أنماط وأصناف الملامح الحكائية والحوارية والدرامية في شعر-نفيسة-لبروزها وهيمنتها على متنها الشعري منذ بواكيرها الأولى،والتي عدت تطويرا تقنيا تعددت فيه البنى و الأنماط و التوظيفات في تضاعيف هذه النصوص.والتي تضاف إلى تقنيات وآليات وأساليب وصياغات الملامح الشعرية للقصيدة العربية المعاصرة،فهندسة القصيدة وعمارتها الفنية والتشكيلية والبنائية المتميزة تشير إلى مقدرة متميزة وبراعة فائقة ورؤية جماعية في تلوينها بصيغ تعبيرية متنوعة تفيد من القص الملحمي والتاريخي والسيري والرمزي والقناعي وبؤر السرد والدراما المختلفة،وبذلك أكسبت قصيدتها بعدا جديدا لم نألفه في بعض أشعارنا المعاصرة،ومنها المعطيات البنائية التي تقوم عليها الملامح الدرامية للقصيدة الجديدة، وقد كانت نسبة توظيف الشاعرة لها كبيرة،إذ بنت عالمها وعملها ورؤياها الشعرية عبرها،وعبر فاعليتها وتشظيها في بنية القصيدة لديها،وبوسع القارئ أن يكتشف ذلك منذ بداياتها الأولى في التسعينات من القرن المنصرم..

لقد نجحت الشاعرة في الإفادة من معطيات هذه الفنون وعناصرها وأدائها ومن تقنياتها،وإغنائها بالتكنيك الشعري الذي حاولت فيه رسم ملامح موضوعية لشخصياتها وأفعالها ومواقفها،وأن تحملها روح التعبير الشعري الذي إستعارته القصيدة عندها من فنون الإبداع الأخرى.

وبدأت قصائدها-منذ بواكيرها الأولى في بداية التسعينات-تبتعد شيئا فشيئا عن الغنائية و الذاتية،وطغيان(أنا الشاعر)فيها،وتتجه نحو الغنائية الموضوعية أو الملامح الدرامية والملحمية التي تفيد من عناصر الدراما المختلفة،وقد انفتحت تجاربها العميقة،و منظوماتها الفنية الواعية على مخاضات عديدة من الصراع والتناقض والتوتر والإصطدام والأداء الدرامي والرؤية الإنسانية والكونية المتسعة لإغناء بنية القصيدة لديها،و إستجاباتها لدواعي التعبيير وأدواته ولفهمها دور هذه التقنيات والأساليب كعناصر بنائية و فنية،ووظيفية وجمالية معا،تحقق درجة عالية من الحركية والحضور الشعري الذي يمنح النص شكلا عضويا متماسكا،وبنية أدائية وتعبيرية واضحة،وهي التي أجادت الشاعرة إستخدامها وإستثمارها في تفعيل هذه العناصر التعبيرية والتقنيات الفنية التي تسود قصيدتها،وتتشظى-كماأسلفنا في جميع بنياتها الأسلوبية والصياغية والأصالية،وبذلك غدا العمل الأدبي هو الوحدة الأساسية للمنظومة الأدبية والدلالية الكاملة التي لاتحصل إلا في إطاره،كما يقول تودوروف.

وبهذا إستطاعت الشاعرة-نفيسة التريكي-ومنذ ديوانها الأول(رعد)*وبواكير قصائدها الأولى أن تحقق معطيات وخصائص أسلوبية من الفنون الحكائية والحوارية والسردية والدرامية،في شعرها كمظهر من مظاهر الشاعر الحداثي في الإبتعاد عن المرتكزات الغنائية في القصيدة،والإتجاه نحو التكوينات الموضوعية التي تحصر شعرية النص فيما تمثله من إطار فني أو مضمون كلي في سياق من الإدراك الجديد لبنية القصيدة وهندستها،وتماسك وحداتها الشعرية والدلالية والإيحائية التي تفضي إلى فاعلية هذه المعطيات والخصائص التي إستخدمها الشاعر العربي المعاصر،وأفادت منها في شد نسيج تجربتها الشعرية وتكثيفها وتعميقها بالمواقف المتضادة والرؤى المتصارعة التي تتغلغل داخل فضاء القصيدة الكلي من خلال إثرائها بأساليب تعبيرية جديدة تستقيها من الفنون والأنواع النثرية المجاورة،والجميلة الأخرى ومن أهمها(القص والمسرح والدراما) فالقاص أو الدرامي عموما،يعرف بما يتملكه قدرات النقطة التي يدلف منها إلى موضوعه أوالحدث الذي يتحتم ألا يسبقه شيء..ولعل هذا ما دفع الشاعرة-التريكي-إلى تكثيف جهودها وزيادة مسعاها، للإفادة من هذه الفنون،وإستلهام إنجازاتها ومعطياتها القصصية والسردية والدرامية،وتوظيف مختلف العناصر والأشياء التي لها قيمة في تعميق وعي الشاعرة لأهميتها في البناء العام للقصيدة ،وتماسك النسيج الشعري،ووحدة الأداء التعبيري والموضوعي بجذور عميقة تحتضن نهجها الشعري،وترسخ قدميها في هذا البناء الأسلوبي،وقد ضم ديوان”سراج القلب” **كما هائلا من القصائد تجاوز السبعين،لكن لم تعد(الشاعرة) في هذه القصائد تعنى بالتعبير الغنائي والذاتي المباشر الذي تتحدث فيه عن تجربة شخصية أو ذاتية محضة،وإنما استغلت تعدد الأصوات والشخصيات والإهتمام بالحدث أو الأحداث الصغيرة الجانبية المرتبطة بهذا الحدث وتطورها ونموها ورصد التناقضات التي تعاني منها هذه الشخصية في تحولاتها وتبدلاتها في محاولة لخلق أشكال بنائية وتعبيرية جديدة ومعقدة ومركبة،تمثل منحى القصيدة نحو الدرامية والحوارية والسردية،فالتعبير بالصور أصبح تعبيرا بنائيا،ونمو البناء الدرامي في القصيدة على شكل دورات متوازية ومتناظرة ومتنامية،أكسبها تماسكا وحيوية،وجعلها تنبض بالحياة والرمز والأسطورة والقناع،وقد اقتربت قصيدة-نفيسة-من جوهر الدراما من دون أن تفقد شفافية الشعر وشحنته العاطفية ورؤاه المثيرة وصياغته التخييلية والواقعية،من خلال قدرة الشاعرة على التمسك باللامحدود والكوني، وقدرتها على اختيار ما هو جوهري في هذه التجربة..

ومن هنا،فإن تشكيل القصيدة وحركاتها يعتمد كله على استلهام معطيات الفن القصصي والدرامي وتشكلات الصراع بين الخير والشر والنور والظلام..وخلفياته وتناقضاته في تكوين هذه الشخصية،وتنامي أفكارها التي تحاول الشاعرة فيها أن توصلنا إلى خلق الخواص المميزة لبنية التعبير الدرامي المحايد الذي تتكاثر فيه آليات التعبير الموضوعي وتقنياته التي يبتعد فيها صوت الشاعرة الذاتي،وغنائيته المسرفة في العواطف..

وعلى الرغم من وضوح العلاقة بين الشاعرة وشخصيتها،فإننا نشير إلى وجود طرفين مستقلين،ولكنهما يتداخلان،ومن ثم كانت ظاهرة التداخل التي لاحظناها بين العام والخاص،والتي أتاحت لشعراء الحداثة أن يقولوا (ها نحن) عندما يقول الواحد منهم (هاأنا) بحيث لا يطغى أحد الطرفين على الآخر،وبذلك تكشف القصيدة عن تحول ملحوظ في بنية الحكاية والقص والسرد الذي يتشظى في باقي قصائدها،والتي ستكون مستقبلا أيضا مرتبطة بخاصية الدراما في التعبير عن القلق الوجودي العميق لإنسان العصر واحباطاته وحصاره وحدوسه واستبطاناته التي تقدمها الشاعرة بعيدا عن صوتها الداخلي واصطدامها الذاتي ونشيجها وصرخاتها الأنوية،كما في هذا المقطع من قصيدة الشك1: أبحث عن ملجإ للروح..عن سكن حنين..عن لؤلؤة يقين..عن تجربة تنافرت في أضلعي وسنين..أبحث فيك عن غابة موغلة في البعد..عن هامة للحالمين،عن صوت صدى للأملين في جنات العاشقين..أبحث عن أجوبة لمسافات الإنتظار ومتاهات..وطين أملس كالروح حين تعرى من كل ظنون..”

وتضعنا الشاعرة مرة ثانية أمام التجربة المعاصرة التي تفصح عن وعي جدلي بطبيعة البناء الدرامي، ومنطقيته داخل القصيدة لإحتوائه على مستويات متعددة من التجليات والرؤى أعطت القصيدة جرعة من التطور والنمو والتصاعد من ناحية،وتعميق بنية النص وتركيبه وتشابكه من ناحية أخرى، لكنها جميعا تؤدي إلى نوع من التناقض والتغيير المستمر الذي يشكل موجات من التعرف واليقين الذي يعتمد على نوع من التتابع غير المنطقي وعلاقات التماثل والتضاد والجدل المستمر الذي يشكل أساس بنية الفعل في هذه القصيدة،فكأن كل كلمة تخفي قناعا،أو قل كل كلمة تختفي وراء قناع. فالكلمات أقنعة،والأقنعة كلمات،تتبادلان الشوق والقبلات.الأقنعة بالمعنى الشعري السامي لا يمكن أن يتيسر لها أمرها في الوجود،و لا مكانتها في الثبوت إلا من خلال السمات الشعرية،كما نلحظ في الأبيات التالية: على النار ومن كل نار تشد الرّوح رمادها وتشدو بكبرياء رماحها..تتبعثر اللحون والمحون في الفضاء…هي ذي أقراص النار أشكالا شتى،كتلا ملونة من كواكب مخمورة بالصواعق غابت عن مجرتها لتدفن في قلبي المتأجج ثغاء بركانيا…2

على سبيل الخاتمة:

لقد أفلحت الشاعرة-نفيسة التريكي-في صنع بنية قصيدتها التي تنحى منحى موضوعيا وتقترب في تركيبها وتشكيلها وحركاتها من معطيات الفنون النثرية المجاورة (كالقص والرواية والمسرح والدراما والسرد) أو الفنون الجميلة (كالرسم والتشكيل والقطع والتنقيط..)في العديد من نماذجها الشعرية التي ابتدأت مع مطالع التسعينات، وتعمّقت فيها رؤيتها ورؤاها وتجاربها،وأخذت القصيدة عندها تنهل من البنيات التعبيرية والأسلوبية والصياغية وحتى المضمونية لهذه الفنون فضلا عن أبعاد الشـعر وشفافيته، فأكتسبتب بذلك قصيدتها أبعادا موضوعية قربتها كثيرا من هذه الأنواع ووصلت عندها في بعض النماذج إلى(مسرحية القصيدة) ،كما تمكنت الشاعرة فيها من خلق أقنعتها ورموزها التاريخية والأسطورية والمعاصرة التي نمت وتطورت عبر خطابها الشعري لتصير عندها منهجا شعريا مميزا لها،وكان لإبتعاد الشاعرة عن الغنائية والذاتية التي تطغى فيها(أنا الشاعر) طغيانا واضحا أثره الواضح لإثراء قصيدتها وغنائها وتعددها بمعطيات هذه الفنون،وأهمها تعدد الشخصيات والأصوات و نمو الأحداث و الفعل والصراع والحركة والتضاد والتراكب والتوتر والإحتدام الدائم،وتوظيف الحوار الداخلي(المونولوج)أو الخارجي(الديالوج)بشكل نموذجي ومكثف حيث يعد جزءا مهما من بنية القصيدة ونسيجها الشعري،ومحاولة الشاعرة خلق لغة شعرية مكثفة ومكتنزة ملائمة لهذه التجربة،وهي لغة متدفقة مفعمة بالحرارة والخصب والشفافية التي تلتحم بالحدث وتعبر عنه،لأن الإهتمام بعناصر القص والسرد والدراما قاد-الشاعرة- التريكي-إلى الإفادة من طبيعة اللغة وتجلياتها ودلالاتها التي تتصاعد داخل نسيج التجربة الشعرية وتضج بها القصيدة،ومن هنا فإن القصائد ذات البناء الدرامي الطويل التي توظف عنصر الدراما يلمس الباحث شيئا من أثر البناء الشعري في لغة القصيدة،ولأن القصيدة الدرامية هي في الأصل قصيدة مواقف متضادة متصارعة،فإن هذا التضاد سوف يترك بعض أثره على لغة الأشخاص،أو على الأداء اللغوي لكل من الجانبين،ولتكون بالتالي ذات سمات دلالية وإيمائية خاصة بها تميزها عن لغة القصائد الأخرى،في محاولة لخلق أداء لغوي متأثرا بالحدث الدرامي ومعطياته والتي أفصحت عن قدرة الشاعرة وإمكاناتها البنائية والتشكيلية والتعبيرية في تجسيد موضوعها وإبرازه ناصعا ومعبرا عن روح العصر وذائقته الشعرية،ولم تكتفي بهذا بل أبدعت في اعتصار الكنوز التراثية،فتحولت تحت أناملها إلى رموز مضيئة تكشف وتكتشف جوانب قضايا معاصرة،وضعتها بالتالي في صف شاعرات الحداثة الشعرية العربية المتميزات..

محمد المحسن

الهوامش:

*رعد :مجموعة شعرية أولى تحمل إمضاء الشاعرة،صادرة عن دار المعارف للطباعة والنشر-ماي97

**سراج القلب: المجموعة الشعرية الثانية صادرة عن دار المعارف للطباعة والنشر-أوت 03

1-أنظر قصيدة-إلى نديمي الشك-ص152-ديوان سراج القلب

2-أبيات شعرية مقتبسة من قصيدة-إبر-ص134 ديوان-سراج القلب-بتصرف طفيف أملاه مسار الدراسة.

*ملحوظة:وافتني الأديبة/الشاعرة نفيسة التريكي مؤخرا بإصدار-قصصي-صدر سنة2018 تحت عنوان :صلئغ الصَدَفات على غاية من الأناقة والإبداع..سنتولي مقاربته لاحقا وفق مناهج النقد الحديثة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*