مساء خريفيّ… مقتطف من (مذكرات مخفية ) نص سرديّ للكاتبة نسرين المسعودي من تونس.

كنت في أمسية شعرية حامضة المذاق،
جلست مسكونة بأشيائي العظيمة , أغازل طائر الفينيق في الرماد.
وحيدة، أضع يديّ فوق صدري , أحاول أن أخفي انكسارا بداخلي.
شيء غريب كان يلطم صدري بكفيّه و يضرب قفا الأحزان بسياط الصمت !
شيء ما يراودني عن نفسي و يراهن على موتي، ببطء!
الشارع حزين ,والممرات ناعمة، كحبات القمح المصقول، النظرات مبللة و خافتة الرؤى كمصابيح هرمت من الليل
تضمدّ زجاجها الهشيم من حجارة العابثين.
في شبر من الجنّة فوق الارض، مقعد من خشب باهت يجمع جسد شاعر جميل جلس، مخضرّا، و عن يمينه وعن شماله تتموّج حقول أحزانه. يسحب الأشجار النائمة، إلى عينيه، فترفرف من فوقه أسراب الخيبات!
أمسية شعرية
و المساء أبيض بالغبار!
لم يأت أحد في الميعاد!
لهذا احتضنت صوت الديوان و عانقت شاعرنا بأحضان كثيرة تتّسع للغياب و ترتق وجع الانتظار.
نظرت الى الساعة حول معصمي؛ نظرت الى سنوات مضت و جمعت الحبر المدلوق فوق قميصه الأبيض لتتناثر القتامة و نبتسم في التقاط صورة.
أحسست بوخز العقارب الصغيرة، يوقف نبض الوقت في الحياة، مشيت في الطريق مهرولة إلى المباني القديمة. و في الشارع الخلفي، كانت تتحدّ خطواتي و تسابق الأتربة و الحصى.
طرقت الباب بخيبتين؛ دقة ثقيلة تقول:
لِمَ لم تأت في الميعاد ؟
وأخرى خافتة يدقها وجعي و يصرخ أخرسا: هيّا افتح الباب.
قبالة وجهي لمحتك مبعثرا، ترتدي تبانا أسود قطنيّا و قلادة نحاسية فوق صدرك. موج حالك لفحني بطعم عطرك و ابتسامتك الماكرة تشع في ملامحك البائسة. سحرك الذي مازال وقعه كتعويذة مسكوبة في شرياني و عشقك كالرجيم المارد يحرس شياطينك في روحي!
دخلت دون أن ألقي سلامي و أمنع وجهي من السقوط
أجمع أنفاسي كوشاح قديم مزقّه النسيان في أوردتي.
جلست بقربي ؛ تخترق عظامي كرغوة في دمي،
تطوف بي أفكارك فأستنشقها جرعات من المورفين في عروقي
و تطوف بي لهفتك فتستفزّ وجداني!
كنت أشدّ تأثيرا من سجارتك المحشوّة بالقنب الهندي من فجوة أصبعيك تمتصّها عميقا كأنّما تمتصّ غضبي.
كنت أشدّ حرقا بجلدي من الجمر المنطفئ في سواد المنفضة
و تحرقني الرغبة فيك و تكوي تضاريسي المجعّدة.
كنت كالغيمة الكبيرة تظلل جدائلي الحمراء،
تلاحقني في صمت و تطقطق برد أصابعك؛ فتؤلمني عظامي عوضا عنك!
و غابت السكينة في الفحيح السامّ وزحفت الثعابين من جحورها، تحت جلدي، تجرّ صوتك المتموّج كالرمال لاذعا يسحب جذوره من ذاكرتي فأمرّر أصابعي، في ارتباك، أواري قشعريرة منتصبة فوق لحمي و أروّض جسدي المسعور المتعرّق بزخات الشبق الدافئة و العرق البارد فتهمس لي:
-أتحبين أن أغلق النوافذ ؟
أتشعرين بالبرد ؟
أشير إليك برأسي كطفلة صغيرة
-نعم
كنت كمن ألقوا بلعبها الحبيبة في المواقد عقوبة لشقوتها، كنت كمن جمدت الحركة في ذهولها و تسمّرت تقاسيمها من الرهبة!
جلست أمامي تضمني في عينيك برفق، ترسمني في بياض أحداقك بريشة متقنة و تدثرّ عظامي في سواد جفنك، في سكون. تشكلني لمعة ساحرة فأنعكس في بؤبؤ بريق مخمور! كنت قادرا على سماعي و إجابتي دون أن تنبس بكلمة واحدة؛ قادرا على طرد العتاب من عقلي و قادرا أن تنسيني الفقد و موضع الشرخ في فؤادي.
نسيت لِمَ أتيت، فعلا؟ أحسست بطلاء الغرفة يغيّر ألوان قلبي و يصيّرني ركنا من غرفتك الصفراء المتعبة. أحسست بالكلمات المحفورة على الجدران تنقر ضلوعي وصرت كلوحة عاجزة أشدني الى الحائط. محنّطة القرارات، أعلّقني من قميصي الأرجوانيّ و أنسكب كالشمع من شمعدان فضيّ فتمتزج حرارتي بأنفاسك و انفاسي.
كنت دائما عاشقا صامتا محتسبا في غيابي,تنتظرني في دهاء مقيت. تلملم البعاد كل مرّة بنغم ترسله لي عبر النت و تنتظر مروري برسالة حياة…
كان يهزمني هذا الشعور المختلط بالعزّة الشامخة و الوفاء اليتيم الضعيف. اقتربت نحوي كدبيب النمل. دون وخز، تلعق فتاتي و قطع السكاكر من صوتي المتقطّع بالشهيق و الزفير. تقبض يديّ، تطويهما في قبضة يديك، تسكب في حلقي مرارة قديمة بطعم الحنين و الذكريات، تفجر من أوردتي نبض اشتياق يجلدني فأرتمي في حضنك طويلا.
تقبلني بشدّة، بنعومة، تغرس أسنانك الجائعة في أحمر شفاهي الزهرّيّ فينتفض الشعركجبل مثقوب جفت عيونه و يغمرني الماء متدفقا عذبا كالزلال في القبلات يرطبّ لساني، يعتصر خمرتي، يثلج صدري بنوتات و آهات وأنّات…
كالليل سقطنا فوق الاريكة الباردة نلتحف اللهاث و كأشهب صائبة نصوّب إلى الهلاك.
كم وددت حينها أن تقاطعني!
كم وددت أن أغرس زفراتي في عنقك،
أن أذبحك من الوريد إلى رجفة العناق!
لتبرر لي هذا الغياب، كالحمقى، تكذب كذبة وردية! تزعم أنك أتيت متأخرا عن الموعد!
كذبة وردية, تشفيني من هلاك الكبرياء و الانصهار الشقيّ. توقف هذا الغرق النازف في كذبتنا العظيمة
التي لطلما قلنا: “أننا لن نعود هنا”
*
عدنا وحيدين، كضفّتيْ نهر، نشعّ في الظلام
نلتحم في حجر واحد ,نخرّ في حرث واحد ,تدس الكلمات في حضني
تجوب في أحشائي حافي القدمين ,لزجا خفيف الحركات
بوهيميّا فتيّا نحاسيّ البشرة
تسكبني في خمرة بنفسجية
و عكس الرحيل تجذبني
بعكس المعقول تدهشني
وحيدين؛
على وقع موسيقى العناق
نقبل بعضنا البعض
نشتم بعضنا البعض
نلعن بعضنا البعض
نضحك حدّ الاختناق
حدّ البكاء
حدّ الفوضى
حدّ الدم في الشفاه
وحيدين كنا…….
و كان الشعر كثيرا كثيرا
و الشارع حزين من شرفتنا
كشاعرنا في أمسية خريفيّة ,لم يأت إليه أحد!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*