الاستعارة وتحصيل المعنى بقلم الكاتب يوسف اقسيم من المغرب.

ليست الاستعارة مجرد زخرفة تنضاف إلى اللغة من أجل تزيين الخطاب الشعري أو النثري، بل وسيلة بها نحيا وندرك ما يحيط بنا من أشياء في الواقع كما عبر عن ذلك لايكوف وجونسون، ولا لغزا أو قارورة سوداء يستعصى حلها لمعرفة ما الذي يوجد بداخلها، وليست عبارات لا معنى لها كما رآها معظم فلاسفة اللغة، وليست غموضا يوهم المتلقي بأن ما يباشر قراءته شيء جميل، ولا عبقرية في إدراك المتشابهات أو شيء غير قابل للتعلم والاكتساب كما رآها أرسطو، لأنها منتشرة في اللغة اليومية العادية وفي أرقى الخطابات درجة في العلمية، يبنيها الإنسان والفيلسوف بطرق ووسائل متشابهة تمكن متلقيها من فهمها وتفسيرها، فحتى وإن اختلفت مجالات بنائها وتفسيرها فإن المبادئ والاستراتيجيات الموظفة في فهمها تظل واحدة سواء عند الفيلسوف أو العالم أو ذلك الإنسان العادي الأمي الذي لا يعرف القراءة والكتابة.

ليس غرضي هو أن أكتب مقالا مفصلا حول هذه المبادئ التي يوظفها كل من المتكلم والمستمع في فهم وبناء مختلف البنيات الاستعارية، بقدر ما سأسعى إلى تحليل بنية استعارية واحدة من خلال إحدى المبادئ التي يمكن تطبيقها على مختلف البنيات الاستعارية التي تماثلها وهذا المبدأ هو واحد من المبادئ الثمانية التي يضعها جون سورل في كتابه “التعبير والمعنى” Expression and meaning.

إننا جميعا سبق لنا أن سمعنا أو قيل لنا من طرف متكلم ما، “أنت غول” في وضعيات وسياقات مختلفة فنرد عليه دون أن نتساءل معه حول المعنى المقصود. فكيف ندرك مثل هذه العبارات وما هو معنى المتكلم المتضمن فيها؟

من الواضح أنه حينما يقال لك “أنت غول” بأن المتكلم لا يعني بهذه الجملة بأنك موجود بحيث أن وجودك يتحدد من خلال الصفة المطبقة عليك أي صفة الغول، أو بصيغة رمزية:

  • يوجد x بحيث أن x غول.

لأنه يعرف تماما وأنت كذلك بأنك لست كذلك، ولا يمكن أن يتحدد وجودك من خلال هذه الصفة، إضافة إلى هذا “الغول” كائن أو تصور ليس له مدى extension، أي ليس له وجود فعلي يحال عليه في الواقع. ومن تم نطرح السؤال على النظرية الكلاسيكية التي ترد الاستعارة في أصلها إلى تشابه يقرن بين موضوعين أو أكثر، أو كما قال الجرجاني “التشبيه كالأصل في الاستعارة بحيث هو هي وهي ليست هو” وبمعنى آخر الجرجاني يقول لنا بأن التشبيه في هذه الظاهرة موجود بشكل قبلي ما علينا إلا أن نفتح ونشحذ قريحتنا وذهننا ومعرفتنا بالشعر والبلاغة… للبحث عن هذا التشابه لأنه موجود بالضرورة في نظره. وكأن كل تحقق واقعي تجريبي للاستعارة هو تحقق للتشبيه لكن الحقيقة ليست كذلك: إذ كيف يمكننا أن نجد عناصر التشابه بين مكونات الاستعارة في عبارة “فلان كثلة من الجليد” ونحن نقصد بأن مصاب بعجز جنسي، إذ السؤال أي علاقة تربط فلان بكثلة من الجليد، أو أي علاقة تربط العجز الجنسي بالبرودة، حينما نقول بارد جنسيا، من الواضح أن إحساساتنا بطريقة ما ترى أن العجز الجنسي بأنه برودة، إضافة إلى هذا التشبيه يقبل الدرجات، أي أنه إذا كان موضوعا يشبه موضوعا آخر يمكن قياس هذا التشابه مثلما نقيس أي مادة فزيائية.

إن النظرية الكلاسيكية بمعنى آخر ترى بنية “أنت غول” في عمقها عبارة عن تشبيه، أي “أنت مثلك مثل الغول” بحيث يتمثل التشابه في الغالب عن طريق مجموعة من الخصائص المشتركة بينهما مثل: مخيف، عنيف آكل للحوم وغيرها من الخصائص غير الطبيعية التي يمكن أن يشتركا فيها كل من “المستعار والمستعار له”. لكن كل من المتكلم والمستمع يعرفان أن كل هذه الخصائص لا يمكنها أن تجعل منك غولا ولا مثله في أي سلوك من السلوكات قمت بها في زمان ومكان معين. لأن الغول لا وجود فعلي له كما سبق أن بينا، غير أنه وإن لم يكن له وجود فإننا نجد أن مثل هذه البنيات تعمل بشكل طبيعي وتحقق التواصل بين أطراف الكلام.

بالنسبة لسورل المبدأ الذي من خلاله نفهم هذه البنيات الاستعارية هو كالتالي: الأشياء التي هي P (فلان /أنت) غالبا ما يقال أو يعتقد أنها R (غول) على الرغم من أن كل من باني الاستعارة ومتلقيها يعرفان بأن R خاطئة بالنسبة إلى P.

لكن السؤال مجددا هو كيف أمكن القول “أنت غول” أي أن P هي R على الرغم من أنهم يعرفون أن P ليست هي R ؟ الجواب بالنسبة لهذا السؤال وإن لم يكن سورل قد حدّدَ بشكل دقيق طريقة التفاعل بين P و R والكيفية التي ينتقل فيها المتكلم في هذه الاستعارة من القول بأن S هي P ليعني بأن P هي R على اعتبار أن مشكل الاستعارة بالنسبة لهذا الأخير هو تحديد عمليات التفاعل الحاصلة بين هذه المجموعات أي S و P و  Rفي أي بنية استعارية. وّإنما يقول بأن معرفتنا المرجعية حول هذا الكائن ومعتقداتنا المرتبطة بميثولوجيا “الغول” شكلت مجموعة من الخصائص النمطية بالإضافة إلى مجوعة من الافتراضات المسبقة حول هذا الكائن المشتركة بين أعضاء مجموعة الكلام، وبأن كل هذه المعرفة الخلفية بالغول وفلان الموصوف بهذا اللفظ بالإضافة إلى السياق يتمكن المتلقي من فهم الاستعارة ويتمكن المتكلم من بنائها، دون أن يحتاج إلى إعادة صياغتها بشكل حرفي كأن يقول له إنك عنيف أو يأكل كثيرا أو شيء من هذا القبيل لأن الثقافة ألصقت مثل هذه الخصائص بهذا الكائن الذي لا مدى له ولا إحالة واقعية وبالتالي فإن كل هذه الافتراضات والمعتقدات تطبق المعنى؛ ذلك لأنها  تشكل شروطا لحقيقة R.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*