نوسطالجيا قروي..! بقلم الكاتب عزيز الزروال من المغرب.

وقبل أن تستيقظ الديكة من حوشها والطيور من أوكارها، تقوم أمي من فراشها الدافئ متحسسة شمعتها وعود الثقاب تنير ركن البيت العتيق، وتذهب إلى المطبخ البلدي أو الكشينة لتكدس الحطب في الكانون، وتشعل فتيلة تظل تنفخ عليها من هواء رئتها… لتسري النار في الأعواد اليابسة، فتأخذ قطع العجين وتدلكها بين يديها لتصير دوائر، فترمي بها فوق طاجين من طين …ثم تضع الماء ليغلي فوق النار لتعد إبريق الشاي المنعنع …بعدها تتجه إلى الزاوية الأخرى من البيت، لتوقظني أنا وأخي، نقبل جبهتها ونجلس بجوارها نرشف كؤوس الشاي ونتناول خبزها الصباحي، دون زيت أو عسل أو جبن أو مربى…كلها كلمات قرأتها في المدرسة لكن لم أتناولها في طفولتي قط…ومع ذلك لا أهتم ولا أدري كيف تصنع أمي كومة من الخبز ولا يبقى أمامنا إلا بعض الكسرات، التي لا نتركها بل نجمعها في جيوبنا مع ما تبقى من الشاي في قنيناتنا البلاستيكية… نركب حمارنا الأشهب ونتجه إلى الحقول، لا ندري كيف نصل وأي طريق يسلك هذا الحمار الأشهب، لأننا كنا نكمل نومنا فوق ظهره…فهو لم يعثر بنا ولم يظل طريقه ولم يخن ثقتنا به…ولعل هذا هو السبب في كونه رمزا وشعارا لحزب سياسي في دولة من الدول…. وداخل الحقول في حضرة سنابل ذهبية اللون وقمحيته، ننحني لنقطعها من جذورها ونكدسها في شكل حزم هنا وهناك، دون أن نستعمل المنجل فقد كنا لا نجيد استعماله، كما كانت أمي تمنعنا من حمل المنجل بحجة أنه لا يحصد بالمنجل إلا الرجال البالغون،وأما إن استعملته وأنت لم تبلغ بعد، فقد تصاب بلعنة في رجولتك ولن تنجب أولاد…هي خرافة صنعتها أمي وسيجت فكرنا بها، حتى لا نحمل المنجل خوفا علينا من أن نتشاجر به، أو نجرح أنفسنا به، المهم أنها فلحت في إقناعنا ولم نجادل… وأمام هذه السنابل المتناثرة، وحتى لا نشعر بالتعب كنا نغني أغاني مرة بلحن، وأخرى دونه، مرة بإيقاع ومرة في غيابه…وأذكر أننا كنا نألف كلمات لأغنيات عن الحياة والطبيعة والحب…وحين يبلغ التعب واليأس منا، كنا نثلج ونشحن قلوبنا بسرد قصص أحد أبناء القبيلة، “السي الطاهر” فقيه القرية ودونجوانها، فنبدأ في سرد أخباره الغرامية مع هذه وتلك، وأحيانا كنا تقسوا عليه فنجعله بطلا لقصة لم يشارك فيها وإن كان يحب ذلك…..”فالسي الطاهر” قيس قريتنا وكل النساء ليلاه…. وحين نستهلك كل الحكايات والقصص، نفكر في أبي والذي كان هناك في الجهة النافعة من البلاد، كان يستل رغيف العيش بواسطة عربته المحملة بالتين أو إحدى فواكه الصيف…يجول بها أزقة المدينة ليوفر لنا بعض الدريهمات تعيلنا في القرية…فنذكر حديثه عن بعض السياح الذين يمرون به ويصورونه، دون أن يشتروا منه، لكنهم يعطونه بعض الدراهم، وهذا كل أمله، فيتحول إلى صورة صماء داخل ألبوم سائح، جاء يبحث عن الشمس في أرض كوت شمسها جلود أبنائها ومنهم أنا وأخي….. وهكذا حين نتعب ونكل نجلس إلى ظل شجرة، نشرب شاينا المنعنع ونزدرد كسرات الخبز…فقد كان الخبز والشاي رمزا وعنوانا لكفاحنا من أجل البقاء…وحين يشتد الحر والقيظ نركب حمارنا الأشهب، ونعود أدراجنا إلى البيت لتستقبلنا أمي بمرقها البسيط، والمكون من خضر ثم خضر وخضر… فاللحم كان يزور بيتنا كل سوق أسبوعي ولو على حياء لقلته… والغريب والعجيب أن كل واحد من أسرتي، كان يفتح جبهة للكفاح، أبي هناك في المدينة ليرسل بعض الدريهمات تضمن استمرارنا…ونحن هنا، أنا وأخي وأمي داخل القرية نحافظ على اسمه وممتلكاته ولو كانت لا شيء… فقد كنا نتعب ونكد ونسقط ونقوم…كي لا يقول أهل الدوار : ” مشا العياشي لمدينة وخلات دارو….” وحتى لا يتحقق مقصدهم وحتى لا يشمت فينا الأعداء، على حد فهمنا حينها….كنا نحرث ونحصد ونرعى نعجاتنا الخمسة بحمارهم الأشهب، في دورة للحياة لا يفهم معناها، ولا يخفق قلب، ولا تسري في شراينه قشعريرة بدوية، إلا من جرب كل لحظة من قسوتها وشظفها، وحرقتها وضحكتها، وبرودتها وجوعها وفقرها، إلا من كان ابن فلاح وابن قرية…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*