على هامش السيايسي التونسي المترجرج:هل بإمكاننا الإندراج في سياق السياسات التي تجعل من النمو هو الهدف الأساسي الأوّل، وليس التوزيع العادل للثروات كما كان يبشّر بذلك في النظريات الكلاسيكية القديمة..؟ بقلم الكاتب محمد المحسن من تونس.

قد لا أجانب الصواب إذا قلت أنّ ثورة الكرامة بمعناها النبيل لدى شعب أوغل ليله في الظلم الظلام،  تعني الفعل الذي لا يقف عند حدود الكلام والنوايا، إنّما هي فعلُ وجود يصرخ أمام كل العالم بأنّ القهر غير مقبول وبأنّ الحرية والعدالة مبدآن لا يمكن التخلي عنهما مهما كانت سطوة -الحاكم المستبد-وقدرته العجيبة على مراوغة شعبه ونهب أرزاقه في دهاليز الظلام..

لقد كانت رسالة -تونس الثورية-نبيلة في جوهرها، مقنعة بشجاعة شبابها وطلائعها وقدرة شعبها على الصمود والتحدي ومن ثم تجسيد أسمى أشكال النضال في سبيل إسترداد حقوقه السليبة والمستلبة.

ومن هنا علينا أن نخرج من -دائرة المزايدات-وننأى بأنفسنا عن أنشوطة الخوف والترجرج ونفسح مجالا لضوء سيصير حتما بلدا جميلا..

لقد خرج الصّوت التونسي من الشرنقة التي نُسِجَت حوله ليعلن بوضوح تام أمام العالم أنّ الصّمت موت وغياب..والصمود حضور كما الفعل الثوري أقوى إنباء من أيّ كلام..

وإذن؟ هرب-المخلوع-إذا،  يحمل آثاما ولعنات من الصعب حصرها أو عدّها..تاركا بلدا يلملم صبره،  يكفكف دمعه ويرنو إلى الأفق إستشرافا لغد أفضل..

واليوم..

هاهي اليوم -حكومة المشيشي-أمام إمتحان صعب، متمثّل في كسب ثقة المواطن الذي-نالت-منه الإحباطات والمواجع، وأنهكته الحياة بتداعياتها المؤلمة، واقترب بالتالي من هوّة الضياع حيث غدا منها على الشفير..

المطالب كثيرة والطموحات أكثر.ولعلّ المطلب الأوّل للمواطن الذي ينتظر بدء -حكوم المشيسي-في عملها وفي تنفيذ برامجها للـ 100 يوم الأولى، يتمثّل بالأساس في إعادة الأسعار المنفلتة من العقال إلى مستوى يتماشى مع القدرة الشرائية ومع مستويات الأجور، سيما وأنّ المقدرة الشرائية للمواطن التونسي-المنهَك أصلا- تدهورت بشكل ملحوظ.

ومن هنا-في تقديري-لا سبيل لحل ملف الأسعار الملتهبة إلا بتدعيم جهاز المراقبة الإقتصادية وتطبيق القانون على المخالفين وتنظيم مسالك التوزيع ومجابهة ظاهرة المضاربين والسماسرة..

بعد الأسعار وتحسين الظروف المعيشية ورفع الضغوطات على-قفّة المواطن التونسي-لا بد من معالجة الملف الأمني الذي لا يقل أهمية عن الملف الإقتصادي، وذلك من خلال إصلاح المنظومة الأمنية وتجويد أدائها ومن ثم القضاء على كابوس الإرهاب الذي أقضّ مضاجع التونسيين وحصد رقاب الأبرياء وخيرة أبناء تونس من السياسيين، الأمنيين والعسكريين..هذا بالإضافة إلى مواصلة تأمين الحدود وصياغة مقاربة واستراتيجية شاملة للأمن القومي بعد تركيز القطبين الأمني والقضائي للتصدي للإرهاب ومكافحة الجريمة المنظمة ريثما تتمّ-بعد ذلك-المصادقة على قانون مكافحة الإرهاب وغسل الأموال، من لدن مجلس نواب الشعب..

أما بخصوص ملف التشغيل (التشغيل استحقاق..) فيشار إلى أنّ نسب البطالة تراجعت مقارنة بسنتي 2011 و2012 لتستقر عند 15فاصل2 بالمائة ويبلغ بالتالي عدد العاطلين عن العمل بتونس اليوم ما يناهز 600 ألف من ضمنهم ما يناهز 250 ألفا من حاملي الشهائد العليا، إلا أنّ-جحافل العاطلين عن العمل-من شبابنا هنا..وهناك مازالت تعاني ويلات البطالة، تجترّ قسوة الحياة وتصبو إلى غد مشرق تصان فيه كرامة الإنسان..

ومن هنا نرجو أن يشهد ملف التشغيل -انتعاشة ملحوظة-تخلّص شبابنا من عقال الإنكسار والإحباط..

وما نتمناه أيضا، والحال هذه، هو أن تتحقّق “معجزة القرن ببلادنا” ومن ثم يتم القضاء على أكبر نسبة من البطالة وعلى الظواهر المرتبطة بتأثيراتها على الشباب العاطل عن العمل ومنها بالخصوص ظاهرة الهجرة السرية..

ولكن.. لا يجب أن نحلم “بدولة السماء” التي توفّر كل شيء، -هذه الحكومة- وكما أسلفت-مطالبة بتوفير فرص وإمكانيات النمو والإزدهار والرفاهية، وتثبيت قيم الحرية والديمقراطية وصيانة حقوق الإنسان، وتشجيع المبادرات الفردية والمحافظة على المبادئ الهيكلية للفكر الإجتماعي، أي الكرامة والعدالة الإجتماعية..

والسؤال: هل آن الآوان للتخلّص من أسر الماضي المحنّط، ومن ثم الإندراج في سياق السياسات التي تجعل من النمو هو الهدف الأساسي الأوّل، وليس التوزيع العادل للثروات كما كان يبشّر بذلك في النظريات الكلاسيكية القديمة..؟

وأرجو..أن تستساغ رسالتي جيدا..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*