ما ذنب إنسان عاشق..! بقلم الكاتب عاطف بن عبد القادر من تونس.

لا مناص من القول، بأنّ هنالك العديد من المشاعر والأحاسيس التي يكنّها تجاهها قد أثقلت كاهله من شدّة التحفّظ والتخفي والحذر إذ ليس الحديث في ذلك بالأمر الهيّن عليه، لذلك لم يستطع البوح عنها ظانّنا بأنّها ستصبح عاطفيّة جدا أمامه إثر سماعها لتفاصيل أسراره وإرهاصات ذاته أو حتى كذلك خوفه من ردّة فعلها بعدم تركه على إنهاء حديثه أثناء توغله في التعبير.

لقد أرسل إليها العديد من الرسائل الضمنيّة ودوّن لها الكثير من التعليقات غير المباشرة وكتب من أجلها أمتع النصوص الخفيّة التي أٌفلتت عناوينها عن مشاعره الجيّاشة وعواطفه الفيّاضة، فإن لم تنجح فإنّها قد مثّلت إلى حين نشيجا سعى بواسطته إلى استعادة ذكريات جميلة ولحظات رائعة لا مثيل لها غيّبها الزمن، وهو يحاول استحضارها دوما وبث الحياة فيها حتى لا تعصف بها الأقدار ولا ترمي بها في أودية النسيان.   وهل يوجد أجمل من ذكريات الطفولة أو نجاحات المدرسة أو محطات الجامعة أو كذلك من ذكريات الحبّ الأوّل وتفاصيل العشق الممنوع آنذاك.

عندما انتهت مرحلة هامة أخرى من مراحل حياة رفيقنا، بدأ يتأمل لمختلف تلك اللحظات والأوقات التي قضياها سويّا حيث كانت مفعمة بمناحي التقرّب ومعالم الألفة وملامح المودة ونوازع السعادة المتجذّرة إلى أن انبجست أكثر من أيّ وقت مضى لحظة إعجاب فحكاية عشق ثم قصة حبّ، قصة سوف يتم تأييدها لاحقا من قبل الملاحظين والمحيطين بهما على مدار ثلاث أو أربع سنوات.

لقد عاش صاحبنا الكثير من التقلبات في حياته وسيخوض المزيد، فهذه هي طبيعة الحياة، وهذا ما نفعله نحن أيضا، إلا أنّه سعى إلى النهوض الجديّ والمضي قدما والذهاب بعيدا بما فيه الكفاية في إرادة البحث عن الشيء الأهم على الاطلاق، أين يوجد الحبّ.

ولا غرابة بأنّ حبيبنا كان مستمر التقييم لنفسه من حيث قيس ما لديه من إمكانيات وقدرات أو حتى سعيه للعمل على جزئيات شخصيته إلى أن وصل فعلا لدرجات ناصية الكاريزما والنجاح من منظور المحيطين به من اعترافات صريحة لم يكن سيصل إليها دون إرادته وحزمه القويين أو من تشربه لأفكار التميّز والفرادة والإنتاج ضمن محيطه المحليّ وإصراره على تجاوز عراقيل الفشل وفكّه من أسر حتميات الركود وجهضه لفاعلية الجمود الطاغية التي تسري من حوله … كل هذا وأكثر من أجل زيادة حظوظه في بوادر اهتمامها به من ناحية وكذلك بغية هيكلة شخصيته لمواجهة تحديات الحياة ورهاناتها إذ أنّ فاقد الشيء لا يعطيه.

بالرغم من أنّه استصعب الأمور على نفسه في مستهل الأمر حتى درجة المستحيل، فقد كان دائم التساؤل حول إن كان لا يوجد هدف أو مقصد في حياته يسعى لنيله وتحقيقه، ولكن عندما رآها مجددا من محض صدفة، علم بأنّه سوف يأخذ فرصة أخرى بحيث قرر الكون أن يمنحها لهما.

وليس أمتع من أنّه قد أدرك تباعا أنّ لديها تحفظات وتمثلات خاصة بها من الصعب تغييرها أو تعديلها خصوصا وأنها امرأة لها من القيم والمبادئ الكثير انعكست جليا على شخصيتها العميقة في منظورها من الأشياء وحكمها على الأمور ومقاربتها لطبيعة الحقائق التي لطالما ذكّرته بخصال المرأة العربية السّالية والمغناج قديما، بل هو متفهم لهذا كلّه والذي لطالما يعتبره في قرارة نفسه الدافع القويّ الذي يجعله يحبّها أكثر كل مرة ويتمنى جدالها مرارا وتكرارا … إذ كان في باطنه شيء يقول: “إنني أحبّ نفسي وأنا معكِ، فأنت أعزّ صديقة لي وأعمق حبّ لي، أنت الأفضل لي، الأمسَ اليوم وإلى الأبد”.

ومهما يكن من الأمر، فسواء إن نجح في خطف قلبها والظفر بحبها المتبادل له أم لا، فطبيعة الحال والمآل تفرض على الجميع قدرهم المحتوم الخاص وهنا لا يقوم جميعهم بإتخاذ قرار مطاردته والصمود في وجهه، ولكن صديقنا كان محظوظا لأنّه فعل ذلك. فجميعنا نتخذ قرارات ومواقف، الصعوبة تكمن فقط في العيش معها.

وقبل أن أختم هذا الملفوظ، لا بدّ من الإشارة إلى صاحبنا مستحضرا على الدوام في مخيّلته قولا مأثورا عابرا للزمن نطقت به ياسمين خضرة في يوم من الأيام قائلة: “من يفوّت على نفسه أفضل قصة حبّ في حياته، لن يعيش سوى سنين ندمه وكلّ آهات العالم لن تشفي روحه”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*