مرحبا بك ..! بقلم هشام بن حمودة من تونس.

ها أنا أخيرا يداعب الهدوء روحي مثلما تتلاعب هذه النسمات بأوراق الشجرة هناك، كوب قهوة و جلسة على شرفة هنا حيث أمتع باصري بجمال الليل الذي لم يزده السواد سوى فخامة فأمضت النجوم هناك ملجأ للمتأملين الهاربين من ضوضاء اليومي فهذه الأجواء هي موطن للسكينة، كان يوما مليئا بضجيج البشر و أفكارهم السطحية و بعض المشاعر الداكنة و انشغالاتهم المتكررة و اهتماماتهم التي تنحصر أغلبها في جهاز إلكتروني… إني لأكبر شاهد على عظمة مصانع المجتمع التي حولت الإنسان إلى آلة بل إلى ما يشبه البرامج الرقمية تخضع لمبرمج واحد فالسعادة و التفاؤل و الأحلام فقدت قيمها الروحية و أصبحت مجرد أرقام قابلة للتغيير بضغطة زر واحدة فكل من يكون في أعلى الهرم هو من يتحكم بفكرنا بآمالنا بهواياتنا و برغباتنا. أنت الآن لست وسط أسطر تنبؤك بنظرية مؤامرة بل أنت على وشك الغوص في محيط الحياة بحثا عن بعض القيم التي تم سلبها من الأجيال الحديثة تحت غطاء التطور فهل ترى أن الرسائل النصية بين الأحباء ستختزل تلك المشاعر التي تكون جليسة العاشق أثناء كتابة رسالة لحبيبته وتلك السعادة و الحماس اللذان ينتابانه حين يقدم لها تلك القطعة التي تمثل تجسيدا لمشاعره الصادقة على الورق أو أن يضعها على نافذتها أنت الآن اندمجت مع هذه المشاعر ألا تحس بالدفء و الحنين؟ الأطفال أيضا تم سلبهم فتلك القصص الصغيرة الطريفة التي تحتضن دروسا و عبرا قيمة بلغتنا الأم أما تلك الألعاب التي تجمع الصغار في الحي مع تلك الضحكات التي تزين وجوههم فهي أكبر عامل في تشييد علاقات قوية و بالتالي خروج الذات نحو الحياة وبالتالي ستقدم لنا هذه العوامل تربية حسنة ملؤها الصدق و الطيبة و العطاء و ستبني شخصية متوازنة لكل طفل مما سيعطينا شعورا جيدا في ما يخص مستقبل ممتاز لبلادنا ولكن ماذا ألاحظ الآن؟ ألاحظ أن الطفل أُنتزع من عالم حقيقي و سجن في عالم افتراضي صنعه الآخر و صاغ له قوانين و عِبر و أفكار و الفتى أصبح مجرد متقبلا ذا عقل غرق في سبات عميق نتيجة عوامل خارجية..! إنها لجريمة ضدّ الطفولة التي كانت من بين ضحايا الفيروس و قبل أن تسألني عن ماهيته انتظر قليلا أريد أن أشير إلى بعض الأشياء أولها أنه من بين أكبر الأكاذيب تاريخيا هي ذبة ” العالم أصبح مجرد قرية صغيرة” كيف تجرؤ على تصديقها و أنت سجين وراء شاشة إلكترونية تتواصل مع غيرك.. دعني أوضح لك فرقا سيمكنك من فهم ما أعني في الماضي عندما تزور أقاربك ترى الفرحة تملئ المكان و تلك الابتسامة الصادقة التي تمس الروح و ينعم الجميع بيوم بديع، أما الآن دعني أنتقل بك إلى زمن آخر عندما تشتاق إلى أحد أقاربك ستقوم بفتح الكاميرا الخاصة بك و ستتصل به و تبدآن الحديث بكلمة سعيد لرؤيتك مع ابتسامة خفيفة… نعم يا سادة هكذا كان إلقاء بين اليوم و الأمس ستلاحظون الفرق سريعا و فيما تبصرونه هي قيمة سُلبت منا فالعالم لم يكن يوما بالقرية الصغيرة بل مع هذا التحول تضخمت المسافات ليس حتى بيننا نحن البشر بل حتى بيننا بين كل ما هو حقيقي و صادق فالحقيقة باتت مجرد سراب بفعل البشر بعدما قدمت لهم الجمال و الحياة فالصدق و الصداقة لم يعودا قابلين للتصديق أما الحقيقة الثابتة الآن فهي أنه لا يختلف اثنان أن القلم و الورقة و لغتنا الأم في علاقة حرجة لدى الشاب العربي و هو أمر يبعث على الحزن خاصة حينما ترى التطور يستثني اللغة العربية بكل عوالمها و لكن هذا ليس ما يحصل لأن الشاب العربي استثنى لغته من منظومة التطور و أصبح مجرد تابع للغير بتقاليده و فكره و سلوكاته التي سمح لجميعها أن تحل مكان تقاليده، أصوله و مبادئه و حتى دينه لقد أبى أن ينشر لغته نحو العالمية و أدار ظهره لها فأصبحت العربية في الأوساط التعليمية تنعت بصفات بشعة كالعتيقة و الصعبة و التي تحيل على الجهل و الرجعية إن لم تصدق ما أقول فجرب أن تتحدث في أي مؤسسة تعليمية و تحدث بالعربية الفصحى سترى السخرية في نظرات كل التلاميذ ثم جرب أن تتحدث بالإنجليزية سترى أن هناك نظرة أخرى يرمقونك بها و هي الاحترام و التقدير كيف تسمحون لهذه الأفكار أن تبعدكم عن حقيقتكم و تخلق فيكم نقيضا ألا وهي التالي إن كنت تغار على دينك و تدافع عنه بشراسة كيف تحتقر لغة القرآن لغة كتابك المقدس؟ … أترك لكم التعليق هنا فلقد ماتت الكلمات و جفت الأقلام لقاء هذا التخلف المهيمن لن أسأل من المسؤول عن هذا ولكن أحملكم مسؤولية جرح الأدب العربي العميق الذي كان وصية الأجداد فكل منا خلق الله له عقلا مستقلا يحلل الأفكار و يدقق في كل منها ليعرف إن كانت صالحة للاستهلاك أم لا و ستتمكن حينها من اتخاذ القرار الصائب و لكن ماذا لو سمحت لأحد ما بأن يأخذ التحكم عنك؟ ستكون حينها مادة الصنع هي الفرق الوحيد بينك و بين الدمى المسرحية لماذا؟ دعني أعود بك إلى الفيروس الذي طغى العالم و هو “وهم الحياة” فأغلب الفئات لو سردت عليهم هذه الأسطر سينعتونني بالمتشائم و سيكون الاستغراب باديا على وجوههم وستطالني سهامهم لأنهم يظنون أن هذه هي الحياة أن كل أفعالهم و أحلامهم و نظرتهم للكون لا تشوبها شائبة فهم خضعوا لنظام و غذوا العلاقة التي تجمعهم به بالثقة المفرطة فأمست أحلامهم مادية و تتسم بالمحدودية و نسوا الكون و عالم الأرواح فبدل أن تهتم بشهوات جسدك لما لا تلقى نظرة على روحك و تحررها نحو أبعاد عديدة من الأفكار الكتابة مثلا هي وسيلتي كي أنفصل عن هذا العالم و أجوب أبعادا أخرى تكاد تصفها الكلمات و الأحرف ، الآلة الموسيقية الألوان المائية خشبة المسرح كلها تؤمن للفنانين الآخرين مقعدا نحو الجمال و الإبداع الروحي لهذا السبب أرى أن ممارسة الفن هي دعامة أساسية في تطوير النفس البشرية و تصفية العقول من الأفكار السامة هي مخرج من مأزق وهم الحياة بل هي نقطة الصفر نحو الكونية فما إن تسمح لنفسك بالانسجام مع الأفكار العميقة ستجد نفسك تخطيت كل ما هو مادي سترى الكون بطريقة أخرى ستتحول إلى إنسان حقيقي سترى أن لا شيء يستحق أن تناديه بالحلم لأن الحلم الحقيقي هو رغبة من الروح و ستجد أن الفكرة هي نواة كل شيء و أن هذا الكون مجموعة لامتناهية من الأفكار سينتابك الفضول تجاه الكونية لتجد نفسك تصنع من التأمل وسيلة لربطك بكل ما يحيط بك من أبعاد و عوالم فكرية… فمرحبا بك في هذه الحياة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*