ٱلْفتية الشّياطين و ٱلْعمّ صالح..! بقلم الكاتب هشام بن عبد السّلام الهرّابي من تونس.

كنّا صغارًا لا نعرف لِلسّكينة معنًى. نحبّ ٱللّهو و ٱلْعبث أيّما حُبّ، كنّا شياطينَ بحقّ. لا نخاف عِقابًا و لا تهديدًا و لا وعيدًا، نعود مِن ٱلْمدرسة كلّ يوم عابثِين؛ ننقاذفُ كُراتِ ٱلْحَرمل، نقطف ثمارًا متنوّعة مِن أيِّ بستان على الطّريق: لوزًا أو تينًا أو عنبا أو مشمشا أو تفّاحا…حسب ٱلْفصول. فنأكلُ ما نريد و نضرب بعضنا ٱلْبعض بقشورها أو نَواها. و نترصّد شاحنة ٱلْعمّ التّوهامي الـــ” 404″ ذات ٱلْمتانة و الصّلابة. و ما أنْدَرَ قُدُومَها، قليلاً ما يوافق وقتُها وقتَ عودتنا أو حتّى ذهابها ذهابنا. و لكنْ لِحَظِّنا نصيبٌ آخَرُ وافرٌ، إنّها ٱلْعربات ٱلْمجرورة بالدّوابِّ حميرًا أو أحصنةً أو بِغالا و ما أكثرَها. فنتهيّأ لها بل ننتظر قُدُومَها لنركبها بعد أن يرأف بحالنا أصحابُها، أرجّحُ أنّهم يروننا مثل أحفادهم أو أبنائهم، لذلك يَقبلون ركوبَنا معهم، و لكنّ ٱلْعمّ صالح ذاك الشيخ العَبُوس لا يرانا أبناءه إطلاقا بل يَرانا شياطينَ مِن الإنس تتطاير شظاياها و تتقاذف لَهَبًا قد يحرقه، لذلك يرفض أن يركب عربتَه أحدٌ منّا رغم أنّه الرّاكب الوحيد و معه بعض ما ٱقتنى من دكاكين ٱلْقرية، فلا يُلبّي رغباتِنا الشّيطانيّة و ٱلْبريئة في آن. بل كان يَجلد كلَّ مَن يقترب مِن عربتِه مُحاولاً منعَه مِن الرُّكوب، و لكنّنا لا نَقْبَلُ تعنّتَه ولا إهانتَه لنا، فنتحدّاه بما نملك من حِيَلٍ، كأنْ يركب أحدُنا في الزّاوية ٱلْخلفيّة ٱلْمقابلة لمكان جلوسه أو يختبأ له، فيركب تحت ٱلْعربة واضعًا رجليْه في محور ٱلْعجلتيْن ٱلْحديديّ ماسِكًا بيديْه ٱلْحديد ٱلْخلفيّ الظّاهر تحت لوح ٱلْعربة الّذي صدئت مساميرُه و أخذتْ في الٱنتصال فصارت ناتئة. ربّما هكذا يَعسُر عليه أن يُدركنا سوطُ عذابه، و لكنّ العمّ صالح يعلم أنّ ٱلْعربة قد ثَقُلت قليلا. لا أدري أهو ٱلْبغلُ يُشعره بتملمُلِه أمْ هو يُحِسُّ – بفضل خبرته و حنكته- أنّ وزنًا آخرَ قد أضِيفَ إلى ٱلْعربة.. و في يوم قائظ، قد أدْرَكَنَا فيها ٱلْعَطَشُ بعد أن أسْرَفْنا في ٱلْعبث و ٱللّهو منتظرِين أوّلَ عربة تُحْسِنُ إلينا و تَقِينا سُوءَ أعمالِنا، أطلّ العمّ صالح بعربته و بمظلّته ٱلْمهترئة يُقاوم ٱلْحرَّ في صمتٍ ووجهٍ مُتجهّمٍ كَمَا دأبناه، فَمَا أنْ تخطّانا ببضع أمتار حتّى خرجنا له مِن ٱلْبُستان و ٱندفعنا نحوه، نتناوب الرّكوب و لو للحظات، و هو يردّ علينا تارة بعباراتٍ ”يا أولاد الحرام، ريضوا لا نشعّفكم” و لكنّها عبارات تزيد من تهييجنا، و تارة أخرى يردّ بجلداتٍ خاطفة تُصيب مَن ثَقُلتْ حركتُه أو السّاذجَ فينا، فأثرنا حفيظته بهول شغبنا و مشاكساتنا له، فغضب و هاج و ماج و انتفخت أوداجُه.. و بحركة سريعة لم نكن نحسبه يفعلها – و هو شيخ في أرذل العمر- يقفز لنا لينتقم مِن الّذين أسرفوا في التّنكيل به، و لكنّ مِسمارًا ناتئا من لوح عربته يُسارع بٱلْٱنتقام منه، ليشدّه مِن بلوزته الرّماديّة، فيسقط لوجهه في الطّريق المعبّد. فتعالت ضحكاتُنا بل صارت قهقهاتٍ، إنّه لَمَشهدٌ طريفٌ، شيخٌ سبعينيّ يسقط مَغشيًّا عليه بعد أن كان يُناكِفنا و يَحرِمنا مِن لذّة ركوب ٱلْعربة..فتملّكنا ٱلْخوفُ، إنّه لم يتحرّك قَيْدَ شعرة و لم ينبس بكلمة مِن كلماته ٱلّتي كان يُعيّرنا بها و هو يُدافع عن نفسه. فقلّتْ ضحكاتُنا و نابَهَا حُزْنٌ و أسًى، فصرنا نادمِين على ما اقترفنا، فأردنا ترميم ما حدث، اِقتربنا منه ننوي مُساعدتَه على ٱلْوقوف، و لكنّ وَقْعَ أقدامِنا ٱلْمقتربة منه تستفزّه لينتفضَ كَثَوْرٍ هائجٍ مِن أثَرِ ضرباتِ الرّماح الّتي تلقّاها و يصعقنا بسوطه الماكر في حركة دائريّة أتت علينا مُجتمِعين، حركةٍ تنمّ عن فتوّته ٱلْمثيرة لِلْغرابة رغم مظاهر هيئته ٱلْعاجزة. فنفرُّ مِن سَوطِه ٱلْحارق و سطوته ٱلْعجيبة و صوته ٱلْغليظ ٱلْمخيف، كلٌّ منّا ٱتّخذ لنفسه مسلكا يلوذ به. ولكنّه أراد ٱللّحاق بأحدنا حامِلاً سوطَه مُهدِّدا مُتوعِّدا بأنّه لو أمسكه لأَرَاهُ ألوانًا مِن ٱلْعذاب، فلمّا ٱستحالَ عليه تحقيقُ ذلك و تراءى له بَغْلُه ينعم بخيراتِ بُستان من ٱلْجهة ٱلْأخرى، هاله أمرُه فقفلَ مُسرِعًا شاقًّا الطّريقَ، و لكنّ تَعَطُّلَ فراملِ سيّارة العمّ التّوهامي كانتْ كافية لطرحِهِ أرضًا. و في الغد، تناقل أهلُ القرية خبرًا مفاده أنّ ٱلْعمّ التّوهامي دهسَ بشاحنته ٱلْعمّ صالح و أرْداهُ قتيلاً. رَحِم اللّه العمّ صالح و غفر لنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*