جليات الإبداع..في شعر الشاعرة التونسية المتميزة منجية حاجي.. بقلم الكاتب محمد المحسن من تونس.

لاشك في أن الرؤيا الجمالية هي الرؤيا الإبداعية الخلاقة التي ترتقي بالنسق الشعري، وترقى بمستويات مؤشراته الجمالية، ولا ترتقي الرؤيا الجمالية إلا بمنتوج جمالي، وشكل جمالي جذاب؛ وهذا التفاعل والتضافر بين الإحساس الجمالي والشكل الجمالي هو الذي يرقى بالحدث الشعري، ومثيراته الجمالية، ولا نبالغ إذا قلنا: إن شعرية أي منتج إبداعي تتحدد بالرؤيا الجمالية،والمقامرة الجمالية الناجحة لا تكتسب شعريتها إلا ببكارة هذه الرؤيا، وجدتها، و مدى مراوغتها لذهن القارئ.. ومن هنا؛ فإن المقامرة الجمالية المثمرة هي التي تنبني على رؤيا جمالية،وحساً جمالياً مثيراً بالمنتج الفني المثير، يقول (مارتيان):” إن القيمة الفنية هي وحدها التي تتخذ مكانها، لكن هذا يحدث عن طريق قوة عجيبة تربط بين تلك القيمة بوصفها نابعة عن الصفة الإبداعية الشاعرية، والعمل الشاعري الذي يطالب بالسيطرة على الحياة الإنسانية كلها،ويتخذ لنفسه وظيفة يعمل بها،ليهيمن على مصير الإنسانية كلها،فقد أقام كل من (بايرون) و (جوتة) أنفسهم أبطالاً أعظم من الأبطال التي صوروها في أعمالهم،وادعى (أرنولد) أن الشعر يستطيع إنقاذ العالم عن طريق ممارسة جميع الوظائف الأخرى للعقل،وعلى مستوى التعبير الشاعري”.
ما أريد أن أقول..؟
أردت القول أن لاشك في أن الرؤيا الشعرية الخلاقة المنتجة هي أساس كل فن جمالي منتج إبداعياً،على الإطلاق؛وهذا المنتج الجمالي لايستقي جمالياته إلا من الشكل الجمالي الجذاب والرؤيا العميقة؛ولا نبالغ في قولنا: إن ما يميز شعرية القصيدة عند الشاعرة التونسية المتميزة منجية حاجي الرؤيا الجمالية المقتنصة من الفكر الجمالي المبدع الذي تملكه الشاعرة في تخلق الرؤيا المؤثرة بفواعلها الرؤيوية وطاقتها اللغوية الخلاقة، فالقصيدة لديها تقتنص جماليتها من شعرية الصورة،وبداعة التشكيلات اللغوية المبتكرة في إصابة منتوج الرؤيا الشعرية في الصميم. ولهذا، تبدو القصيدة لديها ذات جمالية خالصة في عمقها وتصوفها و مداليلها المستعصية، على شاكلة قولها:
بلا رصيف “أحفر ذاكرة التاريخ
أصقل بها وهج الحروف فتسامرني بعضا من قطع الليل
وهي تمشط جدائل القمر
مع بعض الحكايا عن شغف نبي الله موسى بعصاه المعجزة
حيث التهمت كل القوى وناشدت حلم الدراويش على أرض مجروحة
نسيت ملامحها هناك وأزقة،
يملأها الخواء وهي تخيط قاموسا للجياع
لطفولة تتربص بها عيون الصمت
تنثر مائها المالح على الأهداب
تقطف حلمها الشاحب
وهو يحفر في قعر المجهول عن نوارس تجوب البحار
، تغازل الموج وتترك خلفها كتل الغيوم
تبني أعشاشها على طيات الزمن الهش
وتشتهي البعث من جديد قد يأخذها إلى زمن الغواية
فتفرش له ظلا في وجه الريح
ينبت بأضلعها متكأ للعابرين
قبل أن يخاتلها الموت في مضاجع القبور..!”
ختاما أقول:
إن لقصائد الشاعرة التونسية الخلاقة منجية حاجي قيمها المؤثرة في تحريك حساسية القارئ، من خلال دهشة الصور والاستعارات والفيوضات الوجدية التي تبثها في الأنساق بين الفينة والأخرى،مما يجعلها غاية في الرقة والحساسية والجمال. وبعد،فإن المثيرات الجمالية التي تؤسسها قصائد -منجية حاجي-ترتكز على الصور اللاهبة بدلالاتها، وكثافتها،وحركتها الجمالية،مما يدل على شعرية بالغة التنوع،والمواربة،والاختلاف في رؤاها ومؤثراتها الجمالية.. وهنا أضيف:وما ينبغي التأكيد عليه أن فاعلية المغامرة الجمالية المؤثرة في قصائد -منجية حاجي-تتمثل في مغامرتها بالشكل اللغوي،عبر النسق الجمالي المؤثر،والحياكة الفاعلة التي تعتمد الرشاقة والحساسية التعبيرية،والدهشة التصويرية التي ترفع سوية الأنساق،وتستثير الرؤية الصدمة،لدرجة التكثيف،والإثارة واللذة الجمالية.. وهذا ما يحسب لها على الصعيد الإبداعي. وسنتولى لاحقا مقاربة مولودها الإبداعي الأول :”أجراس..على وجه المدينة” بشكل مستفيض ووفق مناهج النقد الحديثة..

محمد المحسن

هوامش:

*جورج غوردون بايرون، سادس بارون بايرون أو اللورد بايرون (Lord Byron؛ 22 يناير 1788 في إنجلترا – 19 أبريل 1824 في اليونان) شاعر بريطاني من رواد الشعر الرومانسي. كانت قصائده تعكس معتقداته وخبرته. شعره تارة ما يكون عنيفاً وتارة أخرى رقيقاً، وتتصف قصائده في أغلب الأحيان بالغرابة. يصر اللورد بايرون على حرية الشعوب وكان من أبرز رواد الفلهيلينية. **الشاعر الألماني يوهان جوته ***ماثيو أرنولد (24 ديسمبر 1822-15 أبريل 1888) (بالإنجليزية: Matthew Arnold)‏ شاعر وناقد وكاتب ومصلح تربوي إِنجليزي.[6][7][8] لم يقتصر على الأدب، إذ تنوعت كتاباته بين الأدب والتاريخ والسياسة واللاهوت والعلم والفن. وقد كان تركيزه في أعماله ينصَب على وضع الإنسان الغربي المعاصر الذي يواجه الحياة من غير دين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*