على هامش جائحة كورونا..ليتشكّل عالم ما بعد كورونا..بالمشاركة الأوسع..في هزيمتها والانتصار للإنسانية..! بقلم الكاتب محمد المحسن من تونس.

“نحن لا نعرف متى ستنتهي حرب المقاومة ضد الوباء”، لكن تفشي المرض أثر بالفعل على مفاهيمنا التقليدية كما يؤثر على التنمية العالمية وأساليب الحياة تدريجيا..” (شياو لين، الخبير الصيني في الشؤون الدولية)
-كورونا-مع مهمته التدميرية التقليدية في التسلل للرئتين وإرباك التنفس،له أيضاً مهمة إيجابية في التسلل إلى النزاعات الإنسانية،فيقضي على بعضها،ويضعف بعضها،ويخلخل البعض الآخر،فعلى مستوى النزاعات السياسية الدولية أو الإقليمية تمكن فيروس كورونا إما من إصلاح ذات البين في الخلافات السياسية،وإما أقنع المتنازعين بالدخول في هدنة،وإما قادهم إلى تخفيف حدة التراشق الكلامي فتنازعوا بمفردات مقبولة بعد أن كانت مفردات نارية حادة. حتى النزاعات الحزبية والسباقات الانتخابية مرّ عليها الفيروس الكوروني، فاعترى أصحابها هدوء وسكينة،فبدأ المرشحون بفعل الرشح الفيروسي الكوروني وكأنهم في ندوة أكاديمية،لا في صراع انتخابي محموم أضعف ضربة فيه تحت حزام المتنافسين.-جائحة كورونا-ليست الأولى ولن تكون الأخيرة،ولكن لعلها المرة الأولى التي تشمل العالم كله برؤوسه ومرؤوسيه،بشماله وجنوبه،بشرقه وغربه،فتغدو البشرية مكبلة خائفة مترقبة،تتابع بقلق وخوف ذلك الوحش الذي يجتاحها من الداخل، من داخل الحدود فتغلقها، ومن داخل المدن فتقطع أوصالها، ومن بين المقربين فتباعدهم وتخلق الهواجس بينهم بمجرد مصافحة..لعلها المرة الأولى أيضاً التي تتواجه فيها البشرية بهذا الاتساع مع ما وصلت إليه على كل الصُّعد، وتخرج بهذا الكم من صخب المدنية إلى كهوف العزلة، وتحليل المسببات وتقييم الاستجابات وتخمين التداعيات، وإعادة النظر على كل المستويات مع التبادل الآني لكل خاطر وأثر. ولعلها كذلك المرة الأولى التي تتناغم فيها البشرية مع ذات القيم والتوجهات في نفس الوقت، وتعْبر خنادق السياسة والاقتصاد، وتقفز فوق مختلف الانقسامات الشارخة، لتلتئم الإنسانية في بحثها عن إنقاذ الحياة..ما أريد قوله؟أردت الإشارة إلى أنّ تداعيات جائحة فيروس كورونا-في تقديري-هي التطورات التي ستنعكس على مفهوم الدولة الوطنية وتأثيراتها على منطلقات اليمين المتطرف والنزوع لشرخ العالم طولياً.فالعالم كله ينتظر علاجاً بغض النظر عمن سيأتي به،ومن أي بلد وأي قومية كان،وسيتخلى العالم عن عصبياته وهو يسعى للعلاج والقضاء على هذا الوباء. وفي هذا عبور إلى طور جديد من دولة المواطنة التي قد تكون تجاوزاً لمفهوم الدولة المستند تاريخياً للإقليم والعرق..ومن هنا،اندلع تفشي فيروس كورونا الجديد في سياق تعميق العولمة، ومن ثم يعتبر الوباء تهديدا واختبارا كبيرين للعولمة.وأكّد المحللون أن العولمة اتجاه تاريخي لا يقاوم،ولن تتوقف عن المضي قدما رغم أنها قد تواجه بعض الانتكاسات وسط الوباء، مشيرين في الوقت نفسه إلى ضرورة قيام البلدان بتعزيز التنسيق والتعاون في معالجة القضايا العالمية وكذا في تحسين نظام الحوكمة العالمية.فمن جانبه، ذكر ريتشارد هاس،رئيس المجلس الأمريكي للعلاقات الخارجية،أن هذا الوباء سيدفع بلدانا عديدة إلى إيلاء اهتمام أكبر بالشؤون الداخلية منه بالشؤون الخارجية لبضع سنوات على الأقل. كما يعتقد جون إيكنبيري الأستاذ بجامعة برنستون أن تفشي الفيروس سيضخ الزخم لدى أطراف مختلفة لمناقشة الإستراتيجية الغربية الكبرى، حتى أنه سيجعل المناهضين للعولمة يجدوا أدلة جديدة تثبت وجهات نظرهم على الأمد القصير.وفي المقابل، أكد روبرت جيرفيس الأستاذ في جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة،أنه عندما نلخص الوضع بعد انتهاء الوباء،سنجد أن المشكلة الحقيقية ستتمثل في الإخفاق في العمل بشكل فوري على تشكيل تعاون دولي فعال بين الدول. كما يرى إيغور شاتروف،رئيس لجنة خبراء صندوق التنمية الإستراتيجية الروسي،أنه مع اتخاذ بعض الدول “لموقف مستقل وأحادي” بشأن قضية العولمة،فإن الافتقار إلى المساعدة المتبادلة والتعاون بين الدول في مواجهة الأزمات لن يصب في مصلحة أحد.فلا يمكن للبلدان أن تتطور خلف أبواب مغلقة،وقد أثبتت الحقيقة أنه عندما تأتي التحديات العالمية،من المستحيل على دولة واحدة أن تسلم منها بمفردها.لذا أصبح تعزيز التنسيق والتعاون بين الدول وتحسين نظام الحوكمة العالمية مطلبا لا مفر منه وحلا وحيدا.وأشار المحللون إلى أن أزمات عالمية مثل أوبئة الأمراض المعدية وتغير المناخ تظهر مقدار الترابط والتواصل الوثيقين بين البشر، وتنبه البشرية إلى ضرورة تحقيق التعاون والتشاور والتفاهم والثقة المتبادلة. فالاستجابة لأحداث الصحة العامة الكبرى تتطلب حكمة جماعية وتعاونا من البشرية جمعاء، وهو ما يسلط الضوء على أهمية بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية.كما قال الدكتور عصام شرف،رئيس وزراء مصر الأسبق، “من حيث الاقتصاد، أعتقد أنه سيحدث انكماش في الاقتصاد العالمي على الأقل على المدى القصير، وسيظهر شكل جديد للعولمة، عولمة تعتمد على التعاون والشراكة وليست عولمة الهيمنة”،بحسب تفسيره.هل بقي لدي ما أضيف؟قد لا أضيف جديدا إذا قلت: من المستحيل أن يعود العالم إلى سابق عهده بعد جائحة الكورونا بغض النظر عن منشئها ومن يقف وراءها، خاصة وأن هذا الوباء دق ناقوس الخطر لأول مرة في تاريخ البشرية الحديث وأرسل رسائل تحذير للعالم أجمع بأن هذا الفيروس قد يكون مجرد مقبلات لما قد يأتي بعده عاجلاً أو آجلاً بسبب الطبيعة أو تصرفات الإنسان الطائشة والمدمرة،لا بل إن كوفيد 19 نفسه قد يتحور ويتطور لاحقاً في نسخ جديدة لا يمكن التنبؤ بعواقبها. ولا نبالغ إذا قلنا إن علاقات الإنتاج والعمل بالمفهوم الماركسي ستنقلب رأساً على عقب في العالم، ليس فقط تحت ضغط كورونا وتهديده ومخاطره، بل ربما بفضله. بعبارة أخرى قد نقول بعد سنوات وربما بعد أشهر قليلة: لا تكره أمراً لعله خير، فقد يكون هذا الوباء نعمة بقدر ما يكون نقمة، على صعيد العلاقات البشرية ووسائل الإنتاج والإدارة العامة في مختلف القطاعات والمجالات.خلاصة القول، إن عالم ما بعد كورونا ليس كما قبله بالتأكيد، وليس بفعل السياسة والسياسيين لوحدهم بقدر ما هو تبلور وعي يصنع ثقافته ويجذرها، ويتملك أدواته الضاغطة على السياسيين ليحدث تغييراً في السياسة،ولتظهر التحولات من الداخل ومن ثم في الخارج، ليتشكل عالم ما بعد كورونا بالمشاركة الأوسع في هزيمتها والانتصار للإنسانية.ولنا عودة إلى هذا الموضوع الذي أقضّ مضجع الإنسانية جمعاء..عبر مقاربة مستفيضة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*