ليتني أجهضّت فضولي قبل السؤال !! بقلم الشاعرة هدى غازي من لبنان.

رافقت والدي صباح هذا اليوم في موعد له لأخذ صورة مغناطيسية كان قد طلبها منه الطبيب
كانت صالة الانتظار في المختبر مكتظة بالمرضى الذين توافدوا لإجراء فحوصات مختلفة…
جلسنا ننتظر دورنا بصمت فضجيج الموجودين لم يسمح لنا بأي همس جانبي ..والاستماع سيد المواقف،
القاسم المشترك في نبرة احاديثهم هو القلق والخوف، ليس من النتائج الطبّية فقط، بل من التكلفة المادّية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي ارهقت كاهل المواطن ،

رأيت وجها مألوفًا لكنه تاه مع ضباب أحداث السنين ..الملامح قريبة لكن القناع الذي فرض علينا التعايش معه لمدة لا نعرف نهايتها غيّر ملامح البشر .. عندما نادوا باسمه اعادتني الذاكرة الى تلك المرحلة المظلمة من حياتي والتي تبلورت بالاختيارات الخاطئة،
غريب ما يحلّ بي مؤخرا وكأنّني على أبواب مملكة النسيان كلّما أمطرني الزمن صدفة بعابري الايام البعيدة أجد بياناتهم قد شطبت من قيود ذاكرتي وكأنّني في عالم آخر يلتهم الفطنة من عقل الإنسان ،
عالم يحارب الماضي ويطلق جيوش نمل النسيان ليسحبوا المارة واحدا تلو الآخر الى المدى المجهول ..

ركود ذاكرتي من ركود الوطن ..

توقفت سيارة الاسعاف وأدخلوا طفلة بالكوفاز، عمرها لا يتجاوز الاسبوعين، والملفت ان الكوفاز كان مكشوفًا، والقاعة مكتظّة بالمرضى، مسكينة تلك الطفلة فهي معرّضة لشتّى انواع العدوى

لا عجب.. فالمسعفون متطوّعون يهبون نخوتهم وعنفوانهم ليلقنوا الانكسار درسا بالقيامة لكنهم مرهقون وقد أنهكهم الحرص والاحتياط في عمليات الاغاثة طيلة شهر المصائب الاخير ..

نظرت الى يساري لأحجب عني رؤية التفاصيل، فرأيت طفلين متمسّكين بوالدتهما وكأنّها تستعد للسفر ويحاولان منعها ..
شدّني المشهد رغم انعدام حشريتي في معرفة حكايا البشر الا أنني بادرت بالسؤال عن سبب تعلقهما الملفت، واذ بالفاجعة تطعن صدر الحديث،
طبعا فقد فقدا والدهما مؤخرًا، ذبح يمام طفولتهما مبكرا ..أعياهما اليتم واغتال أحلامهما في مهدها ..
فكيف لا يتعلقان بشراع الأمان ..تلك اللبؤة الحرة التي جعلت من أحضانها بر أمان كما يبدو ولم تدع المصيبة تقض مضجعها ..
لا بل خلقت من نظرتها ..بحكمتها ووعيها صبارا لكل رجل شرقي علق في وحل بيئة انفصمت عن الحضارة
المشهد مؤلم !!
أمومة أربكت حنجرتي !!
ليتني لم أسأل !!
ليتني أجهضّت فضولي قبل السؤال !!
وطن تجرّع الآه ، حقنا في خلاياه
١٠٤٥٢ خليّة تعاني الحزن والفقد والمرض
تصارع الوباء أملا بالبقاء
وتنشد حرية مسلوبة الهوية
إلى متى يا الله تطوقنا المآسي وتسلخ أرواحنا الأحداث؟؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*