جمالية اللغة..جمالية الإبداع.. لدى الشاعرة التونسية المتألقة-منجية-حاجي- بقلم الكاتب محمد المحسن.

وعندما أقرأ “(أجراس…على وجه المدينة) شعرا لشاعرة معاصرة -ترقص على إيقاعات الكلمات-،سرعان ما تقودني قراءتي للتعمق في ما هو كامن وراء أسلوب الشاعرة التونسية المتألقة (منجية حاجي) من تقيمها الإنساني لمخلوق استوطن ملكوت الشعر منذ أن دنا إليه خيال الشعراء ( المرأة
).

فلا زلت أقرأ المرأة عيونا،ورموشا،وخدودا،وجيدا،وخصرا.

ولا زلت أقرأ العلاقة معها: شوقا وعشقا وسهدا وأسرا.

ولست أمانع إن فعل ذلك الشعراء وهو ديدنهم وجهدهم.

وإذن؟

لاشكَّ-إذا-في أنَّ الشعر فنّ مثير كباقي الفنون؛وفن الشعر لا يعتمد فقط إيقاع التشكيل الجمالي،وإنما إيقاع الشعور الحسي التأمليّ في صناعة ذلك الدفق الروحاني،أو الومضة الروحيّة التي تعتصر مكنون الذات،وتبث ألقها بشرارة الإبداع؛ والشاعر/الشاعرة المبدع(ة) ليس خلاّقاً
للغة فقط،وإنما خلاّق لعالم آخر يسعى إلى الدخول في أتونه ألا وهو (عالم الرؤية) أو( عالم الحلم)؛والقصيدة اللوحة هي قصيدة الحلم أو قصيدة الولادة الجديدة؛بحس جديد،وشعور جديد،ومن لا يملك هذا الشعور المتجدّد لن يصل في شعره إلى مرتبة الفن

وإننا- في مطالعتنا لتجربة-الشاعرة التونسية المتميزة-منجية حاجي-(وهذه شهادة مني) وحيّ،وفنّانة في ترسيم شعورها بألق اللحظة العاطفية الصوفية المحمومة –

أجزم-منجية-المنبجسة من ضلوع -القيروان-ذات زمن موغل في الدياجير،وإنما هي تسعى إلى حيِّز المطلق والانفتاح التأملي،فحدود الرؤية-لديها-مطلقة مفتوحة،تجوب فضاء الآخر دون قيود اللحظة الزمنية أو الآنية الضيقة،إنَّ حدود قصائدها تجوب الحاضر،وتفتح آفاق المستقبل،تولد كل
لحظة،لتبعث أملا جديدا،وحلما جديدا وعالما جديدا..

لذلك؛ فالفنّ -في شعرها-يكمن في طريقة تشعير الكلمة في فضاء السياق،فالكلمة تحسّ أنها تصنعك،والجملة تتدفق من ومض روحك،والقصيدة تترك بصمتها في قلبك وتجوب حلمك، لتتربع على عرش فؤادك،وتتلون ببريق عينيك…لترى ما لا تراه من سابق…وتحلم أحلاماً كانت في حلمك الأزلي…تفتقت
أمامك من جديد…وعاودت إليك هدهدة الأحلام وضحكة الطفولة،التي أذبلتها جهامة الأيام؛وجففت ينابيعها جراح السنين.

ختاما أقول:

لا يستطيع قارئ قصائدها الموسومة بـ [أجراس..على وجه المدينة] من الوقوف على شائبة تصويريَّة،أو عثرة تشكيليَّة،أو هجنة إيقاعيَّة..

لهذا تكتمل مثيرات قصائدها اللوحة كلها في تعزيز جمالها وتناسق إيقاعاتها،كما لو أنها مُهَنْدَسَة فنيَّة لتأتي غاية في التفاعل،والتضافر،والانسجام؛وهذا ما يُحْسَبُ لشعريّة الشاعرة التونسية المتألقة منجية حاجي-أنها ممتدة امتداد الأفق،تعايش عالم مفتوح غني بالمعارف،
والمواقف،والإمكانات،والأيديولوجيات،والموروثات الأسطوريَّة المكتسبة..

تتفاعل – في القصيدة اللوحة عند -الشاعرة منجية حاجي- الإيقاعات البصريَّة،بالإيقاعات الصوتية بالأنساق اللغويّة التصويريَّة؛ بإمكانات فريدة،تؤكد جدارة شعريته وجسارتها،وعمقها في بث الرؤى،وتكثيف المواقف،والأشكال التي تفرزها حركة الألوان والإيحاءات في قصائدها التشكيليَّة
ذات الترسيم اللوحاتي في حركتها وتماوج إيقاعاتها الداخلية.

ولنا عودة إلى -مولودها الإبداعي البكر-الموسوم ب”أجراس..على وجه المدينة-عبر مقاربات مستفيضة..

لنستمتع قليلا بما جادت علينا قريحتها الشعرية العذبة:

“رداء عشق

شجرة سامقة جذورها نبتة من لذّةٍ زائلة

عروقها في الثْرى

و فروعها تلهو مع الرّيح

تضاجع الأوثان القديمة

وترتّب تفاصيل الرّماد

كفرخِ حجل ..

تركه السّرب على ربى المستنقعات وهو يناجي السماء..

كتلة أنا في هذا

رحب أخضر منحدراته

أمشّط سواعد الزّمان

أبسّط خرائب روحي على أروقة الأمل

أدوس على أخطبوط الوجع وأنا…

انثر الورد على ضفاف نهر

أوردتي وقد أثقلها عمق البعاد..

فكم تهت دونك في الطّرق

وضاقت بي الأرض

فكم رتّقتْ أصابعي كفني؟

وكم حملت على رأسي جثّة وحشتي؟

صمت هجين وزّعني..

وفتح لي أبواب غدي..

اختزلت ناصية حلمي..

فذاب الشوق في دمي..

أنا أحبّك يا شرنقة الأمل الذي يسكنني

اقتحمت جبَّ أوردتي حتى ناصبتُ الحمام بأجنحتي

يا من أجّجْتَ الحرائق في دمي..

ألبستني ثوب العشق ونسجته بأحداقيي رداءا..

وجعلت مسكنك أضلعي

ماكنت أعرف أنّني برشفة كأسك حدّ الثّمالة أسكر

فأنا المسافرة المجنّحة التي يغزوها الفضاء

قد ضَمَّنِي كالفراشة تعبي

وحَلٌّقَ بي فوق الوجودْ

بصلوات العناق الممزوجة بالدّموع..”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*