سوء فهم..! بقلم الكاتب هشام بن عبد السّلام الهرّابي من تونس.

المَطرُ يَهطل بغزارة، إنّه “خريف بدريّ” كما تقول جدّتي. بالكاد أتحسّس طريقَ العودة إلى المنزل، فلولا مسّاحاتُ الزُّجاج الأماميّ للسيّارة لما أدركتُ سبيلي. في الأثناء هاتفتُ صديقًا لي لأستشيره في أمر مّا. ركنتُ السيّارةَ في مكانها المعتاد وبقيت أُجَارِي ثَرثرتَه، إنّه ثرثار جدّا. نفذ رصيدُ هاتفي جرّاءَ الثّرثرة اللّعينة. لقد نبّهتُ هذا الصّديقَ، أكثرَ مِن مرّة، مِن الثّرثرة.. وعدني، ولكنّه أخلف وعدَه وفشل أكثرَ مِن مرّة. فهمتُ أنّ الثّرثرة ظاهرةٌ مَرضيّة. لا بأس، المُهمّ أن أستعدّ لثرثرته كلّما تَهاتفنا… فكّرتُ في النّزول مِن السّيّارة، ثُمّ عَدلتُ عن ذلك. قلتُ في نفسي لعلّ زخّاتِ العارض تَخفت قليلًا، ولكنّي سرعان ما استدركتُ بسرعة قائلًا: فليُبَلِّلِ الغيثُ مَلابسي، المُهمّ ألاّ تتبلّل بِدَناسة النّاس.. وقبل أن أفتح الباب، رأيتُ على المرآة الجانبيّة اليُسرَى طفلةً قادمة تمشي مُنكمشةً مِن أثر الزّخّات، طفلةً لا يتخطّى عمرها اثنتيْ عشرةَ سنة حسب ما رجّحتُ. لم تبلغ بعد، هكذا بدتْ لي. تجازوت المسكينةُ سيّارتي، ثُمّ احتمتْ بالشّجرة. كانت كالخائفة أو المرتبكة، فكّرتُ في إنقاذها ولكنّي تردّدتُ، واحتسبتُ حركتي قبل أنْ أجسُرَ، وبعد لحظةٍ ابتدرَ إلى ذهني المتبلّد سؤالٌ مُستفزّ: إلى متى ستظلّ متردّدا يا أيّها الخامل؟ بادِر ولا تخشَ لومةَ أحد. بادِرْ وإنْ عُدتَ خائبًا فإنّك لا تُريد إلاّ خيرًا. نزلتُ من السّيّارة واقتربتُ منها، كانت ترتجف، تصطكّ أسنانُنا من شدّة البرد: – هل تنتظرين أحدًا؟ حرّكتْ رأسَها مُجيبةً: – نعم، أنا بانتظار أبي. – أين هو؟ أجابتني وقد حُلَّتْ عقدةٌ مِن لسانها قليلًا: – في السّوق، سيأتي ولكنّي لا أعلم متَى! – هيّا يا بُنيّتي، اُدخُلي معي للبيت حيث زوجتي وأبنائي، انتظريه هناك حالما يأتي. نظرتْ إليّ كالمتردّدة واصلتُ الكلام – سأُراقب قدومَه بين الفينة والأخرى. فقط، أخبريني ماهي ملابسُه ووسيلةُ نقلِه؟ رفضتْ. عرفتُ أنّها خائفة، قلت لها مُطمئنًا: – إنّك في مَأمَن، لِمَ هذا الخوف؟ ستتبلّل أدباشُك إنْ أصْرَرْتِ على البقاء هنا، فالشّجرة، كما تَريْن، مُبلّلة. لا تؤمّنك هذه الزّخّات اللّادغة. اُنظُري كيف تَسّاقَطُ قطراتُها الباردة. ولم أُنْهِ ما أقول حتّى ارتعشتْ وانقبضتْ لأثر قطرةٍ داعبتْ رقبتَها. تجمّدتْ الفتاةُ في مكانها واستحالتْ عَمودًا رُخاميّا بلا حركة، حتّى أنفاسُها حُبِستْ.. أعدتُ مرّة أخرى، مُحاولًا ثَنيَها عَن خوفِها. – إنْ كنتِ تُريدين حِمايةَ نفسِك، اتّبعي خُطواتي ولا تَخافي أبدًا. تسمّرتْ، ولم تُجبْنِي بل وأشاحتْ بوجهها عنّي. فعرفتُ أنّها فهمتْ رجائي على أنّه مَكيدةٌ مُدبّرة لها. تَركتُها تتعذّب تحت نيْرِ تلك القطرات وجَلْدِ الزخّات المُقذع. هرولتُ إلى الباب لأفتحَه، ففوجئتُ بها واقفةً ورائي، فلم أبْدِ أيَّ استغرابٍ، وقلتُ لها: – ها قد اهتديتِ للرّشاد، هيّا تفضّلي، اُدخُلي. وما إنْ ولجت البابَ حتّى صاح صوتٌ خَشِن: – يا ابنَ الكلب، سأقتصّ منك الآن. التفتّ، فإذا هو رجلٌ رَبعةٌ، يَرمي بدرّاجته النّاريّة جانبًا ويَنتصل يَدَ مِجرفة، ويَنبعث إليّ كأنّه سهمٌ أُطلقته يدٌ حانقةٌ غاضبةٌ، فأسرعتُ إلى إيصاد الباب دونه، بعد أن جذبتُ الطّفلة جذبةً أدركتُ بها حُرمة البيت، ولكنّها فاجأتني بصياحها المفزع وندائها المُريب: – أخرجِني مِن هنا. لمَ فعلت هكذا!؟ سيقتلني أبي. أرجوك أخرجني.. وكان الأبُ يَصيح بل يَهدر كالجمل. تذكّرتُ لحظتَها كيف هاج جملُ جدّي وأخذ يَدوس كلَّ من يُريد إشكامَه..فازداد ذُعري وخوفي. والصّوتُ يُزبد ويُهدّد: – اِفتح وإلّا هشّمتُ البابَ على رأسك أيّها الماكر، الخبيث، الغدّار..

خرجتْ زوجتي مذهولةً تتساءل عمّا جدّ، فوجدتني مذعورا لا ألوي على قرار، والفتاةُ تَصِيح وتُولول وتَستغيثُ، وزئيرُ الأسد يَخترق الباب، يكاد يمزّق أحشائي. فسألتْ بِدَهشة لم أعهدها فيها مِن قبلُ: – مَن هذه الطّفلة يا رمزي! ماذا تفعل معك هنا. قل لي تكلّم، اِفتح فمَك ولا تَنظر إليّ نظرةَ البراءة المزعومة.. وتهديدُ الجَمل أو الأسد يَتعاظم ويطوّق المكان، وقرعُه للباب يُنبئ بتحطيمه في كلّ لحظة. لم أفهم مالّذي أفعله حتّى يَرضى عنّي الجميع؟ أأَفْتَحُ البابَ وأتلقّى لَكَمَاتٍ مِن عند أبٍ هائجٍ، ثائرٍ.. فأسقطَ لوجهي مَغشيًّا أم أُبَرِّرُ حُسْنَ طَويّتي لِزوجتي بِكَلِمَاتٍ أمْ أحُثّ الفتاةَ على النُّطق ببراءتي حتّى يَهدأ روعُ الاثنيْن زوجتِي والأبِ المِسكين؟؟؟ أخيرًا، قرّرتُ أن أفتح الباب وأواجه الأبَ المُلتهبَ صدرُه نارًا.. وما إنْ وضعتُ يدي على المِزلاج لفتح الباب حتّى أدركتني مادّةُ صلبةٌ شجّتْ رأسي، فانفجر منها دمٌ يَفُور صدقًا فأهوتني أرضًا مُغمًى عليّ.. عرفتُ فيما بعد أنّ تلك المادّة الصّلبة عصَا زيتونٍ غليظة اتّخذتُها ليومٍ أغرّ كهذا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*