” الرمز والانزياح الشعري ” في قصيد: “فلسطين..علكة الشعراء. ” للشاعر التونسي محمد ناجح الطرابلسي بقلم الناقدة منى أحمد البريكي من تونس.

بما أنه “يجب التعامل مع المعنى في اللغة والأشياء والممارسات، باعتباره كيانا هاربا من حالات التعيين المباشر ليستوطن الظل واللا شعور بؤرة الفعل المنفلت من كل رقابة.”
كما يذهب إلى ذلك المفكر سعيد بنكراد في مسالك المعنى، ارتأيت أن أستحضر مفهوم الانزياح الشعري بما هو”انحراف استبدالي يخرج على قواعد الاختيار للرموز اللغوية،كمثل وضع الفرد مكان الجمع أو الصفة مكان الإسم أو اللفظ الغريب بدل المألوف.”كما يعرفه الناقد صلاح فضل.
لذلك ألج القصيد من عتبته المثلى، وهي عنوان إشكالي رمزي جعله الشاعر وصيدا لبؤرة شعور منفلت أساسه الرفض والاستياء، وسلك فيه انزياحا لغويا باللغة الشعرية عن مألوف القول إلى صورة صادمة في شبه جملة تدعو القارئ للغوص في قصيد سلك فيه الشاعر نسقا ذا إيقاع متواتر في ستة مقاطع أقوى ما فيها انزياح مباغت في كل مقطع يعيد تشكيل المعنى بإيقاع فني يقوم على التنافر ويغوص في عالم الشعور، فيدعو المتلقي لبناء النص من جديد ليفتح هذا “المكان الخفي والغامض للعالم للقاء أشد غموض وإخفاء.”كما يلخص جان كوهين مهمة الشعر الخاصة، ومن خلالها يدرك قدرة الشاعر على المراوغة وخلق صورة شعرية ذات أبعاد جمالية مختلفة في انزياح لغوي وفني سلكه بإتباع بناء مقطعي حول المدلولات إلى دوال ثانية ذات أنساق تجاذبية ندرك من خلالها رمزية الأسماء والأمكنة في هذه الفصوص السوداء الستة التي استعارت من الواقع المتردي قتامه ومن البلاغة والرمز جودتهما كأنما قد صاغها في تشبيه لصورة أولى متفق عليها لفلسطين الوطن السليب والجرح الدامي بصورة ثانية مفارقة فهي علكة يلوكها الشعراء لتسويق قصائدهم في تجارة رابحة هي الخاسر الأكبر فيها.
وتظهر شعرية الفصوص الستة في كسر أفق التوقع في آخر كل مقطع ومفاجأة القارئ ففلسطين سئمت وعودا كالزبد والأرض ضاقت ذرعا بحديث حكام مادت كراسيهم فوق رمال حركتها مصالحهم الضيقة وتواطؤ شعوبهم صمتا، فتشبثوا بها مسامير دقت في نعش السلام والتحرر من ربقة مستعمر بغيض..
لتصبح جامعة الدول العربية
التي اختارت أن تسبق باءها الراء، اثنين وعشرين نابا لذئاب جائعة تنهش صدر الأمة، وتستبيح لحم أنثى حملت على خصرها “سلما”حولته مناقير الخيانة إلى نصل يمزقها.
وتنساب الصور في بقية أجزاء النص المتقطعة في الفضاء رغم تماسك غاياتها ومعانيها لتعبر عن وحدة الرؤية وتملك الشاعر لريشة تخلط أصباغ الغرابة بدلالات موغلة في الرمزية يبرر غموضها استحضار الزمن(الآن )ودلالة الأمكنة
(الفرات/النيل/ضفاف الأردن /كتف دمشق)، لتحرك السواكن وتستنهض الهمم، فلم يعد الفرات ونهر الأردن ينابيع حلم بالتحرر تغسل خيبات فلسطين، ولم تبق دمشق كتفا ممانعا؛ وهي تنشغل بسكاكين الغدر تمزق عروبتها، فتستباح أنثى باحثة عن نبوءة أخرى تعيد إلى أجراس كنائسها وصوامعها رونقها،وتتخلص من مجالس تمعشت بجسدها، فجعلت ثديها ضرعا لا يشبع جشعها
بدعوى إحلال سلام زائف أو رفع لواء مقاومة مبتورة حادت عن الصراط.
أسلوب الطرابلسي الساخر الباكي يحمل دلالات تفيض على القصيد برموز ومجازات اختارها لدحض فكرة الإدعاء بأن الشعر لا يعدو أن يكون شعارات جوفاء يعلكها الشعراء، ليسمو به ويرفعه رسالة تصرخ ألما في صور بلاغية لا تعطي نفسها بسهولة لقارئ يتسلح بأعواد ثقاب كمشاعل تنير غموضها فهو يصر على تكرار مفردة “فلسطين”في مستهل كل مقطع في القصيد في انزياح تعبيري اعتمد التكثيف والتبئير في مشاهد بمثابة لوحات مسافرة في الأمكنة تنشد لحظة فارقة تخلصها من الآن. فهى أنثى لئيمة تارة وطورا مضطهدة تحاول التملص من قيود أدمت وجودها وكبلتها فباتت باحثة عن مخلص وبديل عن كلاب سائبة بين منعرجات جسدها وعن مجالس خيانة رسمت التطبيع وعهر صفقة خزي صراطا مستقيما.
وهي تقف على شفير الهاوية تنتظر تحقق وعد اختلسته من الله وتصر عليه. فهي وإن كانت
(فلسطين التي يلتقيها الله خلسة )، وهي التي (مدت شعرها الى حلم الفرات )، وهي (المكتظة في خيوط الحلفاء )
فهي الآن (تبحث…/تطلب…/تضفر…/تغرز.. )
لكنها بالمقابل لا تجد غير ( المجالِسِ القبيحةِ ..
تأكُلُ مِنْ ثَدْيِ السّلامِ
و تَمُدُّ للكِلابِ صِراطًا مُستَقيمًا.)
في إشارة خفية إلى تشرذم أبنائها وتمعش البعض منهم وتشبثهم بمكاسب فئوية على حساب الوطن،وفي تناص متحول مع مقولة”تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها.” تحيل على أن فكرة السلام دعارة مقنعة تشبث بها من تخلوا عن فلسطين العربية الحرة التي لا تتخلى عن عفتها وإن سادت الدياثة حينا معلقا بين ماض تليد ومستقبل منشود.

نص القصيد:

فلسطين..علكة الشعراء*
فلسطينُ لم تعدْ تتحمّلُ رذاذَ الوعودِ..
و الأرضُ صمّتْ أذنيْها عنْ حديثِ الكراسِي المتململةِ

فلسطينُ التِي يَلتقِيها اللهُ خلسةً …
رتّقَ بكارتَها ذئبٌ باثنينِ و عشرينَ نابًا مشروخًا…
نَخرَ ثديَها الأيمنَ طيرٌ أبابيلُ
ووزّعَ لحمَه الطريَّ علَى رؤوسِ الأقلامِ..
عَلَى خِصرهَا الفيروزيِّ نبتَ نصلٌ و حرفان..
فلسطينُ التي مَدّتْ شَعْرها إلَى حُلِمِ الفرات…
تبحثُ الآن فِي صندوقِ النّيل
عن خصلةٍ واحدةٍ تُذكّرُها بأنُوثَتِها اللئيمةِ…
حَتَّى تُواعِدَ نَبيًّا جديدًا ..
فِلِسطينُ المكتظّةُ فِي خُيوطِ الحلفاءِ
تطلبُ اللّجوءَ الشِّعْرِيَّ إلى نَصٍّ غَريبٍ…
لشاعِرً جبانٍ يُخفِي خوفَهُ وراءَ جدارِ المجازِ …
فلسطينُ المرصّعةُ بالأجراسِ ، المزيّنةُ بالصّوامع…
تَضْفُرُ جدائلَ الصّمتِ على ضفَافِ الأردنْ
و تَغْرِزُ نابَ النَّدَمِ فِي كَتِفِ دمَشْقَ …
فِلَسطينُ عِلْكَةُ الشّعراءْ ..
و المجالِسِ القبيحةِ ..
تأكُلُ مِنْ ثَدْيِ السّلامِ
و تَمُدُّ للكِلابِ صِراطًا مُستَقيمًا ….
محمد ناجح الطرابلسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*