التنمية العربية.. في ظل تداعيات العولمة بقلم الكاتب محمد المحسن من تونس.

بانتهاء النظام الدولي ثنائي القطبية عقب انهيار الاتحاد السوفييتي معقل الشيوعية والمساند الاوّل للسياسات الاشتراكية، تشكّلت ملامح نظام جديد احادي القطب، امست في ظلّه الولايات المتحدة الامريكية تلعب دور الشرطي على العالم، من دون منافس تحت مسميات مخاتلة، باسم الشرعية الدولية حينا وباسم الدّفاع عن حقوق الانسان حينا اخر، ونظرا لما تمتلكه من امكانيات اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية ضخمة، وفي غياب منافس عملاق يضاهيها، نصّبت نفسها وبدون تفويض دولي، الزعيم الاخلاقي الكوني، فهي حاملة الديمقراطية والمدافعة عن حقوق الانسان وهي بالتالي المراقب العام للاضطهاد الديني والعرقي في العالم. وفي ظل هذه التداعيات برزت في الافق ظاهرة سُميت بالقوّة العظمى الوحيدة او عالم احادي القطبية تتزعّمه امريكا، واختلفت في شأنها الاراء والقراءات، واصبح للدراسات حولها موقع مهم في ادبيات العلوم الاجتماعية الى الحد الذي اصبحت فيه واقعا يفرض نفسه ويرخي ظلاله على الكون تحت شعار- العولمة. ومن هنا احتلّت هذه القضية مكانا متقدّما لدى الباحثين وتعدّدت جوانبها بتعدّد محاولات ايجاد تعريف شامل لها وتراوحت الاجتهادات بين وصف- العولمة- ‘بانّها نوع من الشمولية الرأسمالية المتسلّطة’،(حسب الكاتب عمرو عبد الكريم ـ مجلة شؤون عربية) او امركة العالم، او تهميش العالم الثالث. ورغم انّ محاولة صياغة تعريف دقيق للعولمة مسألة معقّدة بسبب الاجتهادات واختلاف الرؤى، غير انّها تعني في مجملها ‘الخضوع لمجموعة من القواعد والمعايير الدولية التي تنظّم مجالات كانت تدخل في صميم سيادة كل دولة، من حقوق الانسان في المجال السياسي، الى اقتصاد السّوق بما يتضمنّه من ازالة القيود على انتقال رأس المال والسّلع والخدمات والعمالة وحقوق الملكية الفكرية في المجال الاقتصادي، وانتقال الافكار والمعلومات في المجال الثقافي’،( حسب الكاتب د. خلاف خلف الشاذلي ـ مجلة شؤون عربية). وهي بالتالي وبمفهوم اخر هجمة شرسة للرأسمالية الغربية تروم من ورائها تنميط العالم وقولبته وفقا للصورة التي تريدها. وفي خضم هذه المستجدات المريعة التي يشهدها العالم، غدا هذا الاخير على حافة ان يكون رهينة في قبضة المضاربين، وبعد ان القت العولمة بظلالها القاتمة على الراهن برمته، وبدأت تأثيراتها واضحة في كل ارجاء الدنيا، وجدت الدّول الاقل نموا، ومن بينها الدول العربية نفسها في مضيق يحتّم عليها ولوج هذه المرحلة، وهي محكومة بمتغيرات تخدم بالدرجة الاولى قوى – العولمة المعاصرة- وقد اصبحت الفجوة بينها وبين الدّول الاكثر نموّا اخذة في الاتساع، وهذا يعني انّ خروجها من دوائر التخلّف قد يفضي بها قسرا الى دائرة لا تقلّ خطورة، هي دائرة التبعية لدول-المركز- رغم اختلاف آليات الاحتواء والسيطرة والاستنزاف، بما يجعلها في ترابط قهري مع هذا النظام العالمي الجديد على نحو يعسر الفكاك منه في المدى المنظور. انّ المنطقة العربية برمتها ظلّت عبر حقب تاريخية مختلفة رهينة السيطرة والتبعية، فمعظم دول المنطقة وما ان تحصّلت على استقلالها السياسي حتّى انشغلت بقضايا جانبية استنزفت مواردها وامكانياتها لسنوات طوال، فانخرطت في الصّراع العربي ـ الاسرائيلي، وبدأت بالتوازي مع ذلك معارك الخلافات الحدودية التي اتقن الاستعمار رسمها، مما انعكس سلبا على معدلات النموّ الاقتصادي نتيجة توظيف كل الطاقات نحو الانفاق العسكري والتأهّب للحروب بدلا من استثمار تلك الطاقات في حقول التنمية. لقد راهنت- قوى العولمة- القديمة على اقحام الكثير من الدّول الاقل نموّا، ومن بينها الدّول العربية في خلافات سياسية او صراعات اقليمية انهكت قدراتها الانمائية، مما جعلها تخسر قدرا هائلا من مواردها الاقتصادية والبشرية، وكان في مقدّمات هذه الصراعات: الصراع العربي ـ الاسرائيلي وخلافات الهند وباكستان والخلافات الحدودية بين فيتنام وكمبوديا.. وليبيا وتشاد والعراق وايران والامارات العربية المتحدة والعراق والكويت والنزاع الحدودي (وقد تمّ حسمه) بين قطر والبحرين وغيرها الكثير. كما سعت القوى العالمية القديمة والجديدة الى اجهاض كل المبادرات الهادفة الى ايجاد تكتّل اقليمي عربي، فاشتعلت تبعا لذلك ازمة الخليج اثر اجتياح العراق للكويت في الثاني من اب/اغسطس 1990، وكانت ضربة قاصمة لهذا التكتّل اهدرت فرص المصالحة العربية في المدى المنظور، واتاحت للقوى الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية الفرصة لاستخدام القوّة والتدخّل بشكل سافر، وعلاوة على النفقات المالية الباهظة التي تحملّت الدّول العربية الخليجية تكلفتها، فانّ تداعيات هذه الازمة مازالت قائمة من خلال حالات التجزئة والتفكّك التي تعيشها المنطقة العربية برمتها، بما جعلها تدور في فلك السيطرة والهيمنة من قبل قوى العولمة المعاصرة.. ومن هنا نستشف الانعكاسات الخطيرة لتلك الصراعات على مسيرة التنمية، ولعلّ الاكثر ايلاما العقوبات التي فُرِضت على العراق في اغسطس 1990، والتي تسبّبت في تدهور الناتج المحلي الاجمالي العراقي بشكل درامي، وصعّدت من درجة التضخّم الى حد مخيف. يضاف الى هذا وذاك الخسائر الفادحة التي تكبدتها ليبيا نتيجة فرض حظر جوّي وعسكري عليها بموجب قرار مجلس الامن رقم 748 منذ نيسان/ابريل 1992 وحتى ابريل 1999 مما اثّر سلبا على ادائها الاقتصادي. ونتيجة لكل هذا تأثّرت القوّة الاقتصادية العربية وتعطّلت على اللحاق بقطار العولمة، بما جعل مشاركتها في النظام العالمي الجديد تقوم على الخضوع وليس الندية، والتبعية وليس التعاون. انّنا- الان.. وهنا- وفي غياب وعي قومي يشخّص جسامة المرحلة التي نمرّ بها ـ نجد انفسنا كما مهملا على هامش التاريخ تنهشنا سياسة ازدواجية المعايير في مناخ دولي يتسم باللاموضوعية والانحياز حيال اشكال الصّراع التي تحدث- هنا وهناك – في مناطق مختلفة من العالم، او حيال وضع نهاية عادلة وشاملة لاشكال الصراعات، وعلى رأسها الصراع العربي ـ الاسرائيلي. كما انّ سياسات التحجيم والتقزيم وانتهاج القوّة العسكرية، لا تزال تمارس ضدّنا وضد الرافضين للنظام العالمي الجديد، او بالاحرى النظام الامريكي، وحيث لم نكد نتخطّى عتبة التخلّف التقليدي حتى وجدنا العالم من حولنا تحكمه آليات العولمة المعاصرة مثل: الخصخصة والثورات العلمية والتكنولوجية والاعلامية، والتنافس في التجارة العالمية، وانبجست تبعا لذلك مقاييس وضوابط جديدة- للتخلّف والتقدّم- اصبحت تصاغ بمقتضاها معايير الاندماج في العولمة بما يناسب اهداف مجموعة صغيرة من الدّول المتقدّمة تحتكر لنفسها المردود الايجابي للاقتصاد والسياسة على المستوى العالمي. ولذا بات لزاما على الاقتصاديين العرب تعميق الوعي والمعرفة لدى الرأي العام العربي الذي يروم تحقيق اكبر قدر من السيطرة على موارده النفطية والطبيعية والمالية، وتوظيفها توظيفا وطنيا يخدم قضايا التنمية العربية المستقلة ويكسر دائرة التخلّف والتبعية والتجزئة التي طوّقتنا عبر عهود السيطرة الاستعمارية الطويلة، في ظل الصراعات العالمية، من دون مواربة او خداع حتى نكتشف جميعا التناقضات والمطبّات السياسية والاقتصادية التي تحكم الاوضاع الراهنة، في ضوء تشخيص موضوعي لواقع الوحدات القطرية التي يتشكّل منها الاقتصاد العربي في مجمله. لقد غدا واضحا انّ ‘عددا من الاقطار العربية النفطية هي من الصغر بحيث يصعب عليها بناء صناعة متوازنة داخل حدودها القطرية، او الاعتماد اساسا على السّوق الداخلي للطلب على صناعاتها’، لكن المهم ايضا ان ندرك انّ التعاون الوثيق مع الشركات الدولية النشاط واتخاذ دور التابع للرأسمالية الدولية ليس هو البديل الوحيد امام هذه الاقطار العربية التي تتمتّع بفوائض مالية كبيرة بامكانها استثمارها في تسريع عملية الوحدة العربية ورفع التحديات التي تواجهنا والمساعدة في بناء سوق عربية مشتركة يمكن لاقطارها النموّ في اطارها،بما من شأنه ان يعيد بناء النظام العربي وفق اسس وقواعد تكفل التضامن والتكامل خلافا لواقع التفكّك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*