سُبل المدرسة ضمن وقع الطوارئ.. بقلم الكاتب عاطف بن عبد القادرمن تونس.

لقد أصبح من نافلة القول، بأنّ المجتمعات في هذا العصر تمرّ بمرحلة تحمل في طياتها متغيرات عميقة تمسّ كل جوانب الحياة وأن مواجهتها قد أفرز عديد التصورات الطوباوية وحتى نقيض الطوباوية، ولكن تظلّ مهمة التربية والتعليم الإصلاح والتعديل قدر المستطاع، خاصة إن أُخذت كوسيلة لا غاية بحد ذاتها لتحقيق جملة أهدافها وسخّرنا لها المطالب اللازمة من أجل تكريس مهارات الحياة اليومية كالتربية على الوقاية من المخاطر مع ضرورة تجاوز ثقافة الخلاص الفردي السائدة نحو سبل ثقافة المواجهة المشتركة.

إنّ لمنطق دعم مفهوم المساواة في حظوظ التعلم بين المتعلمين، على تباين ظروفهم وحرصا على أن يتمكّن جميع المتعلمين دون استثناء من تملّك أسباب النجاح والارتقاء، مبررات ودوافع جمّة، أجلّها جعل المدرسة فضاء تعلم ونجاح للجميع أيّ وضع المعارف في متناول كل متعلم دون تمييز ولو وجد في محيط غير محظوظ اقتصاديا واجتماعيا وأمنيا وفي ذلك تكريس للمساواة وسعي للارتقاء بمردود النظام التربويّ.

غير أنّ العمل في ظروف أعسر، مقارنة بالمعهود، يستوجب أكثر دعم وامكانيات، وذلك بمنح المدرسة وسائل عمل ناجعة ليست بالضرورة شبيهة بالتي توضع في باقي الظروف، بل معايرة من حيث تنوع الامكانيات وتعددها وكذلك من حيث تجنيد أطراف متداخلة أخرى في العملية الانقاذية.

تعيش البلاد حاليا وكغيرها من البلدان المتضررة من جائحة كورونا حالة معقدة تمزقت عبرها القرارات ببن ثنائية جدلية من حيث انقاذ اقتصاد البلاد من جهة وبين انقاذ أرواح العباد من جهة أخرى. ففي الآونة الأخيرة شاهدنا حزما من القرارات لانتعاش الاقتصاد من الانتكاسة التي عاشها وفي خضمها أفرزت مخلفات جهنمية على استمرارية القطاعات الحيوية الأخرى كالتعليم.

وأمام فشل محاولات إرساء نظام التعليم عن بعد، نظرا لعدم استيعاب قدرة الامكانيات البشرية والتقنية لهذا المشروع الجديد لنا والقديم بالنسبة لعديد البلدان الذي انتهجته ووفرت له كل السبل كمشروع مستقبل التعليم.

وهنا نحن اليوم أمام اجبارية مواصلة التعليم بكل فروعه وأصنافه على حتمية الحضور الجسديّ والتلامس البينيّ، ما وضع هذا القطاع بكل مكوناته وعناصره على محك الخطر حد الوصول لحالة الطوارئ بالنظر لما أكدته أرقام الاحصائيات والمعطيات حول تأثر القطاع السريع بالوباء. ها هنا أضحت عملية التعليم عملية تعب وارهاق بدنيّ ونفسيّ هام يمسّ المدرس والمتعلم والوليّ على حد السواء.

فهل تعود ظاهرة الفوبيا من المدرسة بكثافة إلى أقسامنا من جديد والحال بأنّ الفوبيا هنا لم تمسّ نفسية المتعلم فحسب وإنما تخطته نحو حالة من القلق والتوتر والهلع التي طالت صفوف المدرسين والأهالي.

لم تجنّد المدرسة ولم تحّين بعد لغرض مقاومة الجراثيم التعليمية، فكيف تستطيع وفي ظرف وجيز معقّد من مقاومة الفيروسات المجهرية الفتاكة ؟

أسفي أن يهمّش صناع القرار للجوانب السيكولوجية للتعليم، فهل يدركون تمام الادراك بأنّ للتعليم محددات ب 50% عرفانية و 25% وجدانية انفعالية و 25% نوعية تفاعلية !

لقد أدركنا بعد تحليل تاريخ التربية والتعليم ودراسته بأن المدرسة هي مشروع اكتمال وجب على المجتمع الانخراط فيه والمشاركة في ارهاصاته، إذ لم يعد المتعلم يذهب للمدرسة ليملئ ذهنه بالمعارف النسبية فحسب بل أصبح قاصدا لكسب كفايات العيش وغرس مهارات الحياة ودمج كيفيات الاشتغال وتكريس أبعاد العيش الجماعيّ وانخراط في المواطنة الفعلية …

لذلك، صار لزاما على المدرسة بأن تأخذ بعين الاعتبار حول ما يحصل في محيطها المحليّ والوطنيّ وحتى الكونيّ، كما حريّ بها المشاركة في معالجة الاشكاليات الحالية للمجتمع المحليّ والايجاد الفوري لبيئة تعلمية تعليمية قادرة على مواكبة الواقع والتعايش مع تحديات الراهن والتقليص من عوارض الخلل والتقصير. بالنظر إلى أهمية المنظومة التربوية كونها تؤثر على حياة جيل كامل، فتشريعها أو مراجعتها لا تهم قطاعا معينا في المجتمع بل تهم مستقبل الشعب بأكمله.

هناك العديد من الشاكرين لتبعات الفيروس الذي نجح فعليا بكشف المستور وتسليط الضوء على العيوب الكامنة في نظامنا الصحيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ والتعليميّ … كما تأكد للعديد بأن الحديث على الأزمات وإن كان مرا في ظاهره لكنه حلو في جوهره وعواقبه، وحلاوته لا تقل عن حلاوة طبيب واعظ يقدم لمريضه نصائح توضح له المخاطر التي عليه أن يحذرها والأدوية التي يجب أن يتعاطاها للشفاء أو للوقاية من العدوى.

ولعلنا في هذه المرحلة، نقرّ بأننا أشبه بتجارب تكشف قاعدة العلم، كتاريخ لتصحيح الأخطاء !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*