هيام علي بدر عندما تنطق الحجارة… بقلم الكاتب عادل الفيلالي من تونس.

من بلاد الأربعين حضارة ، من بلاد الشام ، من سوريا السلام تطل علينا الفنانة التشكيلية هيام علي بدر تمسك بحجر الصافون الأملس كما لم يمسك به من قبلها احد يكاد الحجر ان ينطق من بين يديها على ما به من صمم تشكله وفقا لانفعالاتها و تطوّع صلابته فما عاد الحجر بين اصابعها حجرا بل هو كالصلصال رخوا يطيعها بلا خجل تستحضر من خلاله بدايات الانسان الأولى عندما اودع سرّه الحجارة من خلال ما نقش و نحت و رسم على وجهها هكذا و على هذا النحو تبنى الحضارات أو ليست الحضارة في احد تعريفاتها ” كل ما يخلقه الانسان ” ؟ .
ان مصطلح الفن يحيل في الاصل على الفن التشكيلي لان الفنون الاخرى اتخذت لها تسميات مستقلة فاصبح كل يسمى باسمه كالموسيقى و المسرح و السينما و لاجل ذلك التجات هيام الى الفن التشيكيلي اين وجدت ما تريد و ما تريده هو التشكيل لان الفن التشكيلي من التشكيل و التشكيل من التكوين و التكوين من الابداع و الابداع من الفن و الفن من الحضارة …
و الحجر موغل في التاريخ ملتصق بكل حضارة فكل حضارة تترك اثارها و قد قدّت في الغالب بالحجر حتى تحافظ على بقاءها و ديمومتها و للحجر رمزيته المختلفة باختلاف استعمالاته فهو من رموز الحضارات القديمة من خلال ما ترك الانسان وراءه من بناءات مختلفة و متعددة و هو كذلك اداة عقاب كما اخبرنا الحق تعالى في قصة ” اصحاب الفيل” حينما ارسل عليهم الله ” طيرا ابابيل ترميهم بحجارة من سجين ” اما حديثا فالحجارة اداة مقاومة و فعل تحرّر و سبيل مقاومة مع “انتفاضة الحجارة ” اعلنها الشعب الفلسطيني سنة 1987 حيث تحدى ابناء الاقصى الجيش المحتل المدجج باحدث الاسلحة بحجارتهم .
و قد وظفت الفنانة هيام علي بدرحجر الصافون لتعبّر بذلك عن واقعها و حتى تكتب احلامها على نحو مغاير متحرك بل لعلّها كما قال “بيكاسو” تمسح بفنها “عن الروح غبار الحياة ” تمزج في ذلك بين براعة اليدين و جمالية الصورة فمن الواضح ان ما تشكله فنانتنا بالحجر و الالوان تثبّته بعدسة كاميرا التصوير حتى لا يتلاشى جمال المنجز الفني لان الجمال الذي يبرزه الفنان من زاوية ما و بطريقة ما ” يجب ان يأخذ دوما شكلا ما ” كما اخبر بذلك الشاعر و الروائي الروسي ” بوريس ماسترانك” ..
هيام اسم في الفن التشكيلي على مسمى سارت على خطى “نزار علي بدر” و من شابهت اخاها في الفن طبعا فقد ابدعت فهي تبرز لنا الواقع على نحو جميل يخفّف من وطأة الراهن و يحملنا على اجنحة من حجر و الوان الى حيث شفاء الروح من سموم الواقع و تحجّره هكذا بالحجارة تجابه هيام تحجّر الواقع و بخاصة الواقع السوري و العربي عامة و كأنها تقول لقد وجدت في حجر الصافون و الالوان بلسما لجراح ايامكم مستحضرة بذلك على نحو ما المعلم ارسطو عندما قال ” الفن شكل من اشكال العلاج . “
عادل الفيلالي
دار الثقافة نصرالله
القيروان – تونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*