الأرنــبُ… قصة قصيرة من مجموعة “غواية السّكين” للكاتبة إبتسام عبد الرحمن الخميري من تونس.

تنهّد تنهيدة عميقة و هو يلقي بجسده المتعب على الكرسيّ المتحرّك. رفع يده اليمنى، كانت السّاعة الواحدة مساء… لقد كان يومه مليئا بالمفاجآت… كالعادة…
حملق في المكتب، الكتب مرصّفة بانتظام، بعض الصّور التّذكاريّة تشهد نجاحاته و انتصاراته المتواصلة على الدّوام… فناجين القهوة لا تزال مبعثرة على الطّاولة منذ زاره السيّدان: الرّئيس المدير العام و السيّد المندوب الجهويّ لـ… فهو رجل مهمّ له مكانة مرموقة في المجتمع…
بغتة، رنّ هاتفه الخلويّ و جاء صوتها الحادّ:
-هيّا، الأولاد ينتظرونك لتشاركهم الغداء.
-حسنا.
أجابها باقتضاب و قرف. هي “هناء” زوجته. عساه ملّ ترنيمة صوتها الصّلب؟؟ اغتمّ فهمس فؤاده:
-كالعادة لم تنتبه لمَا يؤرّقُني.
مرّة أخرى رفع يده اليمنى، رمقها. كان جرحٌ طفيفٌ على ظهرها. سكنه حزنٌ أليمٌ. من جديد نظر في السّاعة. لم تبق سوى بعض الدّقائق ليتعرّف إلى رأي الطبّ في جرحه ذاك. بل عساه ينتظر “قرارا” لمعرفة مصيره…
-قطعا سيُطمْئِنُني صديقي “عماد”.
منذ أيّام خلت، و عندما كان ينظّف مأوى الأرنب خمَشه بمخلبه الصّغير. حقّا لم يسل الدّم، لكنّ الأثر بات يؤرّقه. هو لم يهتمّ بالأمر لحظتها لكنّ صوت صديقه، بعدما أعلمه بالحادثة، ظلّ يتردّد صداه:
-حسنا، بما أنّك لم تحقن يومها فبإمكانك الانتظار خمسة عشر يوما تراقب الأرنب فإنْ توفّيَ فذلك يعني أنّه مصاب و أنّك تنتظر. ..!
الحقيقة، لقد مرّت المدّة و لم يمت الأرنب فأمضى يومه بهيجا. هي بهجة الحياة… غمرته. لكنّه فوجىء بالأرنب صريعا في اليوم الموالي… مرّة أخرى تسكنه الحيرة.
ران الصّمت و المكان قفر. ادْلهمّت السّماء. دوّت الأرض تحت قدميه… اهتزّت… ربّما تبعثرت الأحلام و امتزجت بالأحزان… اصطدمت قوّته بضعفه عند قمّة الطّريق…
-لمَ مات الأرنب؟!
أ هو أيضا يواجه نفس المصير؟… الرّحيل.
مضت السّاعات تجرّ السّويعات في سكون رهيب. رحل فكره بعيدا عن المدى… الصّور ترتسم أمامه ممزوجة بأنّات ناي ينشد لحنا حزينا… تشيّع هذا الجسد: رآه يُحملُ على الأكتاف، رآه ملقى في تابوت يعجز عن الحراك، عن الكلام، يودّ لو يصرخ: “كلّا لن أرحل.”
لكنّه يعجز. يقصف الأمل. الطّموح… ابنه “أحمد” يهتف:
-أبي أرجوك اشتر لي أرنبا صغيرا.
“تبّا لهذا الأرنب المشؤوم سبب بلائه.
-لا تنس أن تحضر اللّوازم الّتي طلبتها منك، لقد دوّنتها على ورقة و وضعتها في جيبكَ الأيمن.
راحت الأصوات تختلط، تمتزج، تتماوج… لمح السّاعة… لقد نفد صبره. “الصّبر ملجأ الضّعفاء حين يعجزون و ليس ملجأه.” راح يزرع المكتب. رأى الأزهار تكاد تفقد رونقها… آلمه المشهد فرمى المزهريّة ملء يديه. الرّحيل مرّة أخرى. ما باله لم يتّصل حتّى الآن؟؟؟
خنقته الحيرة حتّى الوريد، تربّع الخوف بداخله بكلّ أريحيّة و دلف الضّياع يفتّت اتِّزانه.
أخيرا… اختطف المفاتيح من على مكتبه و غادر… نزل الأدراج باتّزانه المعهود و مشيته الرّصينة، استقام كلّ عامل و حيّاه إكبارا و إجلالا. هم يخافونه، يهابونه حدّ الرّعب… يخشوْنه… هو السيّد المدير العامّ… منذ وصوله كان مثال الصّرامة و الجدّ. لم يحضر مرّة متأخّرا مهما كانت الظّروف، كان قليلا ما يتكلّم. فقط هو يعمل و يعمل… القدوة في العمل الجادّ رآه يرحل في صمت… ودّ لو ودّعهم لآخر مرّة. تراجع. همس في أغواره: ” ماذا جنيْتُ من الكدّ المتواصل؟ قطعا سيجلس آخر مكاني و تنمحي ذكرياتي. من سيذكرني؟؟ بل سيسعدون لرحيلي…”
فتح باب سيّارته و انتصب داخلها بجسمه المتّزن، ما يزال خفيف الحركة، وسيما، جذّابا، دائم الاعتناء بمظهره… أفزعه الصّوت المتهدّج الصّادر من أعماقه:
-أين الملفّ الّذي طلبته منك؟ أنتِ دائمة الإهمال.
-لكن سيّدي… أنا… أنا…
-أنتِ متهاونة، هيّا غادري و كفّي عن التّلعثم و . خطأ آخر تغادرين المؤسّسة نهائيّا. واضح. ثمّ شهيقها و هي تغادر أصدع أذنيه. اليوم فقط استحضر هذا المشهد… تسرّب الأسف إليه لكنّه و كعادته اندفع بسيّارته في مسارات طويلة.
كانت الأشجار تمرّ و تتراجع يمنة و يسرة و هو يتوسّطها كأنّه الطّاووس يعبر و يتهادى في مشيته. فجأة، انتابه شعور غريب بأنْ يسير ببطء و أنْ يتمعّن فيما يحيطه.
منذ سنوات لم يمعن فيما يحيطه… لم ينعم بجمال الطّبيعة و بهائها… كان كثور مربوط مغمض العينين. ضغط على المكابح، خفّض من السّرعة أخيرا.
تباطأ. رأى النّاس يسرعون، يهرولون كلّ يمضي في طريق مختلف… لكنّه يسرع. “الجميع يسرعون الحياة تأخذنا بعيدا…”
تذكّر الموعد. نظر السّاعة. الجميع يسرعون سوى هذا الوقت يتباطأ. ” لمَ لمْ يُهاتفني؟؟”
ظلّ يسير ببطء علّه يقتل بعض الوقت… صور تتماوج أمامه دون انتظام… أبناء أخيه يصطفّون أمامه واحدا واحدا… ثيابهم رثّة بالية، دامعة عيونهم، شاحبة وجوههم… هناك… غير بعيد، رأى أخاه “صالحا” بثوب أبيض يحدّق فيه، نعم! هو منذ سنوات غادر… و رجاء زوجته الآن يصرعه! رآه واجما أمامهم جميعا…
-أرجوك يا محمّد إنّ أبناء أخيك سيموتون جوعا. أرجوك اِعطنا ميراثنا و سنختفي عن عالمك…
دمعت عيناه… اغرورقت. اكتسحته رعشة. الآن فقط تُعرّش الذّكريات أمامه…
اليوم، و قد مضت خمسة عشر يوما، بل ستّة عشر يوما… نكّس رأسه: “ماذا سيروي لأخيه “صالح” عندما يلقاه؟؟” ازدادت سرعة السيّارة دون أن ينتبه. رآه منتصبا في مملكة العراء، رآه يتسوّل بعض العفو و السّماح… رآه وراء قضبان من أشواك. خُيِّلَ إليه أنّه متغطرس جبّار. كيف ارتخت أهدابه و نام و أبناء أخيه محرومون؟؟
-نحن عائلتك أحقّ منهم، لسنا مسؤولين عن أحد، تستطيع الأمّ العمل فهي قويّة البنية و شابّة، أو لترسل أطفالها للعمل…
أنّب نفسه: “كيف يبيت مسلوب الإرادة؟ يلقي مصيره تحت قدم زوجته و هو المتغطرس؟؟” “هذه هي النّساء تروّض أقوى الرّجال”. هتف بأعماقه كأنّه يضع بلسما لجرحه…
فجأة، صوت من داخله يصرخ: “أ ما آن لصمتك أنْ يتفجّر؟؟”
ظلّ الطّريق أمامه ممتدا إلى ما لا نهاياته… يؤرّقه الانتظار: النّتيجة، النّهاية. مصيره… عبس وجهه… زمّ شفتيه. تبسّم. تسلّل إليه حفيف المساءات الدّافئة… اختمر وجدانه عشقا و هياما…
خفق فؤاده إليها… بؤرة أحلامه و هسيس آلامه… كانت فتاته “اعتدال” تترنّح و تتمايل أمامه بدلال. جسمها الرّشيق و قدّها الممشوق. ها هو داخل إمبراطورية السّحر و الجنان و الرّياحين تفوح… دغدغه الحنين إليها. تمطّط أمام مقوده فازدادت سرعة السيّارة…
-ما أحلى أوقاتي المسروقة بين أحضانكِ.
-…
-أحنّ لصوتكِ يرديني طفلا دون مدامع.
-أنتَ تبالغ. يمكنكَ أن تقبع معي زمنا أطول.
-…
صمت، بينه و بين نفسه كان الصّمت سلطانا يخرس لسانه “تراه مذنبا يخون زوجته؟؟”
تجشّمت الأفكار السّوداء في رأسه من جديد… أثقلته. صرخ النّداء من أعماقه: “عتمة الحاضر تخنقني.”
السّاعة الثّالثة مساء، لقد فات الموعد المتّفق عليه بينه و بين صديقه الطّبيب…
“ما الخطبُ؟؟”
أحسّ بألم ممض في رأسه فجأة، عظُم أزيز محرّك السيّارة ثمّ بدأ ينخفض تدريجيّا حتّى توقّف.
-لقد انتهى الوقود!
نظر حوله فإذا هو في مكان مرتفع يطلّ على واد تحيطه أشجار كثيفة، رفع بصره فإذا الجبال ممتدّة من كلّ الجهات، كانت شامخة، رحبة، بدأت السّحب تحجب أشعّة الشّمس و شرعت تتوحّد فيما بينها… ثمّ طفقت الأمطار تلامس بلّور سيّارته… كأنّها تستأذن اجتياحه، أسند رأسه إلى الكرسيّ، رآه متلاشيا متداعي الأوصال. ظلّ برهة من الزّمن… وحدها كانت تراتيل المطر…
لمح عيناه في المرآة الأماميّة فإذا هما محمرّتان، سكنته رعشة دافقة كأنّه لظى الصّيف و الحال شتاء… من جديد تتشكّل الرّسوم. تتصارع و تصطدم عند قمة الجأش… أصوات غير واضحة: بكاء، نواح، قهقهات، أوامر ثمّ عويل…
صوتها: “لا تنس البنزين الإضافيّ.”
“هذه الفكرة الوحيدة الصّائبة الّتي ملكتها.”
لاح شعاع الشّمس منفردا وسط الغيوم الكثيفة… نزل من سيّارته نحو مؤخّرتها للتّزوّد بالبنزين الإضافيّ. أدخل يده إلى جيبه الأيمن أخرج لائحة الطّلبات… مزّقها و نثرها في الهواء… عاد إلى مقعده… لمح علبة المناديل الورقيّة أمامه، غمغم:
-يلزمني الكثير منها… يلزمني الكثير…
ثمّ انطلق…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*