يمشي النهارُ مبتلا بدمي… بقلم الشاعر ناصر النجار من الأردن.

يمشي النهارُ مبتلا بدمي
يحملُ أغنيةَ الوجعِ
ويجرُّ خلفَه ظلي وليلا بلا وجهْ
يُفجّرُ للشجرِ الواقف خلفَ خيمةِ القبيلةِ نهرا
ويحفرُ بستانَ شوكْ …
يمشي النهارْ
وشال أمي رايةٌ للجسدِ البحريْ
للصخر الصامتِ في البرد الأزرق
وصوتي
سلاسلُ صحراءٍ تبكي طفولةَ خدِّها
تلامسُ الأضرحةَ المنسيةْ
تفرشُ من شوكها السريرَ
تفتحُ الكتبَ المشنوقةَ فوقَ تأرجحِ الضوءْ
تعلّقُ الحذاءَ القديمِ على غصون الغيمْ
وتتقدم ..
وأنا
حلمٌ شفيفٌ
أبيضَ الوجهِ والشفتينِ
طويلُ القامةِ كحفلة زار في الطريق الترابي
كصوت هديلِ الرملِ حين يبتسمُ للماء
أمشي
وخلفي عويلُ الصخرِ وحكاياتِ الغولِ البريْ
وسيفه الخشبي
وألف عامٍ من نار ترسمُ وجهَ الليلِ بالأبيضِ الشهيْ
وغابة تهزُ أصنامَها وتستغيثْ
كلما غادرها صنمٌ
ترشقُ روحه بوابل من مطر
تخبئُ بقاياه
تطهّرهُ من الطحالب والاعشاب
تدهنُ شعرَه بزيتِ الشُعبِ المُرجانية
وتُغنّي للشتاء الجديد
للعشق الملوّنِ
لجديلةٍ نشرتْ صرختَها
فوق القبعات البرتقالية ..
والطريق طويل
وسيف الخرافةِ طويلْ
والمساءُ يقاتل ذاكرةَ الغيابْ
يبنيْ عُشَّ الطميْ المُكحّل
يومئ لها
والجندُ ذباب الصحراء والدم
يحملون الشواطئ
يثقبونَ التوابيت
يرسمون نجمةً تتسكعُ فوق جسدٍ بلا رائحة ..
وأمي تنامُ فوقَ رملِ يرتجفُ
كأنها تدقُّ الماءَ وتُرخي قلَبها
لتسمعَ صوتَ الرجفةِ
تلمُّ أحلامَ العابرين
تلمُّ صوتَ الغبارِ العالق في
صور الطفولة التي تنزُّ شهقةَ الروحْ ..
كانت جميلة
تدقُّ وشم الورد المُخزّن في الأكفانْ
ترشُّ الحنّاءَ لتهدأْ القبور
تُدندِنُ بأغنية القيامة
تمسحُ الدم بالعزف للزجاج المتناثر
ترقص للأرض التي أغمضت عينيها
تبتكرُ موتاً للموت
تحتفظُ بألواح النار
تلامسُ النوافذ الوردية
ويخرجُ الرجال من ثقوب الجدران
وتتقدم ..
يمشي النهارْ
ودموع المهاجرين
حنينٌ جافْ
و ذاكرةُ الكلماتِ
في أصابع الجُند
حين يبيعون الموتَ
للحقولِ
للهواءِ
للبيوتِ التي تجلسُ على حافة الوقتِ
وتنظرُ
كيفَ يمرُّ الطوفان
حاملا عصاه
يقتفي أثرَ الجسدِ المحنيّْ
والعيونِ الفارغةْ
والفراشاتِ المصابةِ
بالدهشةِ والدُوارْ
ترقبُ كيف سيمرُّ
ولا نبيٌ هنا
أو مراكبٌ تُبحرُ للنجاة
لا نبيّ هنا
لا نبيّ ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*