الفـــــــخ … قصة قصيرة بقلم الكاتب مناف كاظم محسن من العراق.

عندما اجتاز الممر المتهدّم لم يكن هناك ثمّة صوت غير الظّلام اللّيلي ولهاثه المبحوح وخشخشة الأكياس والملابس الممزقة التي تدوسها أقدامه ورائحة الجثث المتسرّبة عبر رطوبة الجدران. اكتشفت أقدامه التي هدّها التّعب الجثّة المرميّة بجانب البركة القذرة , جثّة امرأة مغتصبة بعنف. أطلق صوتاً غريباً من فمه المملوء بلعاب يسيل كلّما ازداد تشبّعا برائحة الجثّة ….وجبة شهيّة…. أهتز فوقها كراقص زنجي محتفل بمولد جديد , منتش باللّحم البشري الميت , تنهش أسنانه القويّة الجّسد الممتلئ حيوية قبل أيّام مضت والمرمي على حافّة البركة الآن , بعد نضال دام لحظات ضد وابل الرصاص . لم يستمر احتفاله بالجّسد الشهي إلا دقائق مشتتة , أطلقت على أثرها رصاصتين مصوبتين بدقّة . ارتمى الجّسد النّازف فوق الجثة مطلقا عواءً عميقاً متهدجاً كصوت الألم البشري . ساد الصّمت المفاجئ منسجماً للحظة مع كثافة العتمة , أخترقه صوت بشري أنتشر صداه فوق الجدران المهجورة ” تبّاً لك أيّها النتن ولهذه الحياة القذرة التي أصبحتم فيها آكلي لحوم البشر ” . بصق الرّجل وتحرّك باحثاً عن الجثّة , احتراما للموت وليس للإنسان الذي أصبح قذراً يموت ككلب ويترك عارياً , تلتهمه الحيوانات الأخرى. تعثرت أقدامه واقتربت منه. كانت أصواتهم رنّانة , همجيّة , فسقط مرتطماً بوجه بارد , أرتمى سريعا على بندقيّته المرميّة بجانبه . كان القتال قصيراً , عنيفاً , اكتشف في تلك اللّحظة إنّه يمتلك قوّة رهيبة لم يعرفها من قبل مدفونة بأعماقه خرجت دفعة واحدة ضد هذه الكلاب الشّرسة التي تهجم دون خوف , يدفعها الجّوع الذي أعاد خلقها كائنات قاسيّة , يتملكها التّوحش أمام كائنات الدّم واللّحم والعظام . انتهى القتال بخمسة رصاصات عشوائية اطلقت مرة واحدة , تلاها الصّمت اللّيلي المعتاد , تبدده أصوات الكلاب البعيدة المحتفلة بانتصارها , بسيطرتها على اللّيل , زارعة الرّعب فيه.
شعر الرّجل بالموت القريب . حاول أن يتذكّر كم مضى عليه من الوقت . ما الذي حدث وما السّبب في وجوده هنا. كل شيء مشوش , الهواء البارد الرّطب , الأرض الموحلة , الظّلال الباهتة , روائح الموت المنتشرة في كلّ مكان , والجثّة التي تتعفن . الحياة تهرب سريعا ليبقى الموت الكابوس الجاثم الى الأبد . حاول جاهداً أن يبعد كلّ هذا عن رأسه , حاصراً تفكيره في الزّمن القليل الباقي لديه . فتح عيّنيه بصعوبة ليرى الأشياء من حوله كثيفة للغاية , جدران مهدّمة تبدو عالية بشكل لا يطاق , كلاب مقتولة تزدحم جثثها المغسولة بالدماء على حافّة الوحل . حاول الهروب من كوابيسه الآسرة بعدّ الكلاب المقتولة , أضنته الّلاجدوى . كانت تبدو كثيرة .. كثيرة جداً. لم يحاول قط النظر الى المرأة المقتولة , أحسّ بالألم يلتهم جميع أنحاء جسّمه . أتعبه النّهوض وظلال الجدران المنخورة التي اطبقت عليه كمخالب نسر تخنقه بقوّة كلّما حاول الاسترخاء , مستسلما لآلامه وشبه الغيّبوبة التي يعيشها , والشّعور العنيف بالموت كيّ يصبح جثة تتعفن سريعاً فتأكله الكلاب . يجب عليه الخروج من البناء المهجور بأيّة وسيلة. ولم يكن هناك غير الزحف بدمائه المتخثرة وآلامه الحادّة . أحسّ برأسه ثقيل .. ثقيل جدّاً . سقط بعدها متعبا يئن تارةً ويصمت تارةً أخرى, محاولاً الزّحف مرة أثر أخرى فاقداً إحساسه بالوقت , يتملكه خياله المضطرب المشوش . تراءت حوله صور لم يعتدها من قبل تدور وتدور بلا رحمة – كلاب شرسة يقطر من فمها الدّم , تأكل بوحشيّة الجثث المنتشرة على جوانب البرك الطّينية , أو تهجم على الأطفال المذعورة , وتلك المرأة التي تركته يحبُّها بعنفوان الحياة والموت معاً . حاول التشبث بكلّ ما يمكن أن يؤكد له بأنّه لم يمت بعد , ويعيش معالجاً جراحه كيّ يناضل مرّة أُخرى ضد كل الكلاب التي شاركت في افتراس جثّة المرأة التي علّمته حب الحياة , تاركة في أنفه رائحة جسّمها الحيّ , لا تفارق جسّمه أينما ذهب . الوقت يمرّ سريعا وقواه منهارة الان . استحالت الجّثث والجدران أشباحاً طويلة جداً تاركة هذا الكائن وحده في انتظار الموت , محاولاّ عبثاً الصّمود ضد الألم والجّوع , حالماً للحظات قليلة بالخروج من هذا المسّتنقع الموحش.
أستجمع آخر شتات قوته المتلاشيّة وبدأ الزّحف الصّامت دون أن يفكّر في هدف ما سوى المحاولة الأخيرة للخروج بعيداً عن هذا الكابوس العفن . استنشق الهواء الجّاف بعد اجتيازه آخر المتاهة المهّجورة . غمره فرح طفولي واستلقى وقت طويل على الارض الباردة .
أحس أخيراً أنّه يسّتطيع أن يفتح عينيه الآن كيّ يستمتع بحلاوة الانتصار , وقد أصّبح حرّاً بعيداً عن ذلك السّجن النّتن والكلاب التي تهجم بوحشيّة لتأخذ فريستها المنتظرة هناك.
لمّا فتح عينيه وحدّق حوله ببرود وجد نفسه محاطاً بقطيع من الكلاب الجائعة , يسيل اللعاب من فمها المفتوح دائما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*