قدسية الحب…! بقلم ميساء الحاجي من تونس.

روحي تصطع بشيء ما غامض نحوك أنا نفسي أجهله. و لكني على يقين بأن هذا الشيء القليل كبر و نما و إزدهر و أزهر و أزهرت معه للمرة الأولى منذ قرابة عشرين سنة بعد الولادة أحيا. ما مضى خلال ذلك الزمن البائس لم يكن قطعا حياة و لا حتى شبه حياة. بل كنت مليئة بالعدم و الفراغ و حتى الإحباط. يقال الإنسان يُزهر مع الشخص المناسب. أما أنا فأخجل إن قلت أني أزهرت. لقد تجاوز الأمر مجرد الإزهار. إنه أكبر و أجل و أكثر قدسية من مجرد الإزهار. عجيب أمر الحب كيف يقتل بشرا و يُحيي آخر. و كيف يُضحكك و يُبكيك في نفس اليوم. عجيب أمر الخلق و عظيمة هي قدرة الله في أحكام قلوبنا. و هو ما يجرُّنا لذكر قصة سيدنا يوسف عليه السلام و زليخة زوجة عزيز مصر. إذ يقول عز و جل في الكتاب القدسي:”و قال نسوة في المدينة إمرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ظلال مبين.” و ما أنا هنا لأحلل و أناقش مراودتها له و محاولاتها إغوائه بل إني أقول:” قد شغفها حبا” و تعني هذه العبارة أن حب يوسف قد بلغ شغاف قلبها أي غلف قلبها حتى غلبه. و تقول هي بعد سنوات عجاف من إنتظار يوسف عند النيل و هي عجوز عمياء ضعيفة محتاجة:” فلو أن السماء أمطرت حجارة أنا سأذهب” و ترد لما عاتبتها خادمتاها:” ما بالكما لا تفهمان إنتظار يوسف هو كل حياتي” و قد طال الإنتظار و تعب الشوق و هد حيلها. و كانت تشم ريحه في كل مكان. حتى شكت أمره إلى ربه. ما أريد أن أقف عليه من خلال هذه الرواية أثر الحب و حال زليخة. الحب قوة تزيل الملوك من عرشها و تجعل منهم أحط و أحقر مما يخالون. و لما سألها يوسف:”هذه أنت زليخة” قالت:” كنت أنا يوما ما” نعم كانت زليخة قبل مجيء يوسف و غدت عجوزا نكرة بعد شغفها به. هذا ما للعشق أن يفعل بالمرء على قوته و جبروته و عظمته. له أن ينتشله من القاع و له أن يلقيه به. و الأجمل من ذلك كله ما بعد الإنتشال. ولادة جديدة، حياة جديدة، حب جديد. أو لعل ما سبق كان تهيئة لهذا الحب. ما يمر في حياة المرء و ما يصادفه من أحداث و حوادث و أخطاء و دروس كل هذه التقلبات و المصادمات هيأت الأسباب للحب الجديد. و نحن -حقيقة- نُدرك ذلك ضمنيا و لا نصرِّح به حتى نتيقن مما ماطلناه في مبادئه و أهملناه في عز التعلق. و لكننا على الأقل ندرك الآن بأن العشق يولد عبر مراحل و حسن العشرة هو أكثر ما يجعله وطيدا أزليا يزول بزوال الحياة و عودة الروح لخالقها. كم تأملنا مع نجوم الليالي الصيفية و كم تحاورنا عن الحب،كم يجلو من حزن و كم يزيح من هم و كم يرزق الطمأنينة و الأمان.و الحق أن عنصر الأمان – إن لم يكن الأهم في العلاقة- فهو على قدر كبير من الأهمية. و إني لا أبالغ إذا قلت يبتدئ الحب بالاحساس بالأمان. سبحان الله. تميح القلوب لبعضها دون سابق موعد و كأنها تعاشرت الدهر كله. فتشعر بالطمأنينة و الأمان حيال ذلك الشخص. بإمكانك أن تهبه حياتك و أنت على ثقة بأن قلبك في أيد أمينة و روحك يحتويها أحسن إحتواء. و في لحظات من هذا التأمل الليلي الطويل تشعر بأنك مدين له بحياتك،بنبضك،بخافقك،بهذا الكل الواحد الذي تدعوه أنا. و بينما أنت في غفلة منامك يأتيك زائر هو حاضر فيك غائب عن ما يحيط بك من مادة لم تعد ترى لها جدوى في غيابه. فتنام قرير العين فقط لهذه الزيارة العزيزة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*