مدخل للخروج..! بقلم الكاتب صابر السّامر من تونس.

في ذلك الصّباح الشّتوي كنا ندلف تلك المدينة من ذلك المدخل البالي، لدينا إجتماع تكويني بيداغوجي روتيني..
لم يبق أمامنا كثير من الوقت قبل بداية الحصّة.. أشار لنا عون المرور بالتّوقّف فخفّض صديقي في سرعة سيّارته وتوقّف، تفحّص العون أوراق العربة وأعادهم قائلا: مريڨل وكلمات أخرى لم أكن منتبها لها حيث كنت أقرأ بعض التّعاليق على تدوينتي الفايسبوكية :”الا آنهض وسر في سبيل الحياة”
إستعاد صديقي أوراقه وانطلق قائلا : لم ينتبه لعدم وضعنا حزام الأمان.
لم أجبه، كنت أنظر تلقاء يميني حيث يبدأ تراصّ الدّكاكين والڨاراجات… ذاك حدّاد بجانبه بائع للحليب ومشتقّاته ثمّ مخبزة فتاجر أعلاف يليه نجّار آخر ثمّ بائع أسماك ثمّ متجر هواتف ذكيّة وأخرى بلهاء ثمّ خضّار فمقهى… هكذا إلى أن وصلنا إلى المدخل الثّاني المحاذي لمحطّة سيارات الأجرة… هناك باعة الفريب في كلّ مكان وبائع للأعشاب وبعض العقاقير وكتب دون عناوين أمام الصيدليّة والمكتبة المتجاورتان…
-هل مازال أمامنا بعض الوقت من أجل قهوة فيلتر معتّقه؟
-لا أظنّ. حاليّا التّاسعة إلا خمس دقائق، سنشرب قهوة في الكريفوك.
-لكنها قهوة بلا طعم ولا رائحة هناك!
دلفنا من ذلك الباب الأزرق الكبير الشّبيه ببوّابة الصّحراء، ساحة الكريفوك الحجرية وتلكم القاعات المبعثرة الباهتة تجعل هذا المكان أقرب إلى سجن أو مستودع لسيّارات قديمه أو ما شابه… المهمّ لا يمكن اعتباره مركز للتّكوين المستمر البتّة..
كلّ البيداغوجيات والأفكار القديمة أو الجديدة تضمحلّ وتذهب هباء في تلك الساحة الخرساء الخالية من كل جمال حيث لا شجرة ولا نبتة ولا لون بهيج.
باختصار ذاك الكريفوك ليس سوى حوش عربي دون روح.
خلال الراحة التي تفصل طرفي الحصة ابتلعنا جرعات مثيرة للقرف من قهوة تتناغم مع ذلك المشهد البائس للجدران تلكم القاعات.
لم يكن المتفقّدون كما الأساتذة أيضا في حلّ من ذلكم المشهد فحماسهم ينطفئ غالبا عند ذاك الباب الأزرق..
انتهت الحصّة فمرقنا بسرعة بحثا عن مطعم من بين تلك الكثيرة هنا وهناك.. تجارة الاكل رائجة جدّا الكلّ يأكل دون هوادة وقوفا أو جلوسا وحتى مشيا أو هرولة أو في السّيّارة أيضا.
كل ولا يهمّك ثمّ انطلق حيث أنت ذاهب…
سيغدو ذاك المدخل مخرجا طبعا وقد يوقفنا نفس ذلك الشّرطيّ أو زميله.

لا شيء تغيّر في آلمدن كلّها غير إزدياد عدد المقاهي ومحلّات
الهواتف..
مداخل المدن كلها متشابهه في إصفرار ها وإكفهرارها مع بعض اختلاف دون معنى لبعض المدن آلبحريّة لكونها وجهات سياحيّه رغم أنّ البحر ما عاد يغري السّيّاح ولا تلك النّزل السّخيفه ذات النّجوم آلمغريه.
تلك المدينة دخلتها مرّات عدّه من مداخلها الأربع فكلّ مدينة لها أربع مداخل تقريبا من مدن أخرى تحيط بها..
كلّ تلكم المداخل فاقعة مترهّله كثياب بالية ممزّقة إربا إربا. رغبة ومتعة الذّهاب تصطدم بذاك المدخل الذي يغري بالخروج أو العودة أو الهروب قبل التوغّل في شوارع باكية يتيمة محتاره.
في كل مدخل لكلّ مدينة تقريبا تجد تلك العبارة التي لا إحساس ولا روح ولا صدق فيها : مرحبا بكم.. هذا وأنت مقبل أمّا وأنت مدبر فتصطدم عيناك ب” إلى اللقاء” … أحيانا تكون هاته العبارات بلغات مختلفة welcome, bienvenue إلى آخره وهذا من أجل الأجانب…
تلك العبارة التّرحيبيّة الجوفاء كالطّبل تبدو كأنها صور غربان ناعقه لأنّ المشهد الذي يحيط بها لا بعبّر عن فحواها ويفرغ حروفها من معانيها أو عمقها فتغدو حريقا.
هكذا فمنذ المدخل نحن في الدّرجة الصّفر للّغة والصّورة والبهاء.. يالها من مداخل بلهاء ومدن رثّة.
إنطلقنا بعد أن ابتضعنا بعض الأغراض. نفس المشهد تقريبا من الجهة المقابلة لمدخل-مخرج المدينة : مساحة فارغة ثمّ حائط تحته أوساخ متراكمة كتب فوقها : لا ترحم… إلّي يرمي الزّبلة هنا… بخطّ سيّء تعيس زاد ذاك العنف عنفا… ثمّ مطعم فحمّاص فحدّاد فخضّار فجزّار فمكتبة فميكانيكيّ…
لم يوقفنا أحد فواصلنا سيرنا عائدين وقد بدأ بعض مطر ينهمر.. أمامنا حوالي نصف ساعة أو أكثر بقليل لنكون في مدخل مدينتنا، مدخل هو الآخر باهت التّرحاب بارد كهذا الطّقس القارس…
يتبع…

3 Replies to “مدخل للخروج..! بقلم الكاتب صابر السّامر من تونس.”

  1. حقيقة لقد لامس النص الواقع ان لم نقل العكس .و بحكم معرفتي بالكاتب و بالاطار (crefoc) الذي وصّفه نستطيع القول انه قد اضفى عليه زيادة على واقعية الوصف مسحة و جانب تراجي-كوميدي على المكان ورمزيته وابعاده لدى مرتاديه .
    احسنت اخي صابر

  2. جميل هذا الرثاء لمدن مترهلة و أبواب مفتوحة على الخراب. لو تأخذ مثلي الطريق الدائري يوميا وتكون مضطرا لتشق كل تلك المشاهد المقرفة في كل الاتجاهات لاصابتك الكآبة التي لا شفاء منها. على الأقل انت هناك حالنا تغادر القرية تطل عليك الجبال التي أشتاق إليها من كل ناحية. و لكن شجرة ليمون أو برتقال أو تين وارفة في هدوء البيت تنسيك للحظة كل المشاهد التي عبرتها منذ قليل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*