لا مكان تفرّين اليه …! بقلم الشاعرة نسرين المسعودي من تونس.

لا مكان تفرّين اليه ..
هكذا قالت الأبواب و أنا أفتح مقابضها.
إلى أين ؟
و هذا الجسد المحموم؛ يجرّ أذيال البرد
و هذا القلب الضرير يضخّ الليل؟
إلى أين ؟
و قد تلطخت الثنايا بالدم و النبيذ و العرق ,
و أنت هنا تغتسلين، في اليوم، بألف لتر من العطر
الى أين ؟
و العناق مبتور الذراعين، ممزق الأثواب
و الحب على الرصيف يتعفن انتظارا
“””””””””””””””””

ألى أين ؟
تسيرين بأطراف باردة
تستنشقين وردة بلا رائحة
يتشقق من قسوتها لونك
و يهجرك الغناء

إلى اين ؟
تمضين غريبة، عارية الروح ,مقبوضة النفس؟
تختنقين بالبكاء من دون اكتفاء
من دون ارتواء
تبحثين عن رقصة أخيرة فوق الماء
تغوص من أجلها حواس الأوجاع
و تغرق
“””””””””””””””””””””””
إلى أين… حقا؟
أقولها لنفسي و قد هرمت… مللا
هرمت… حلما!
أشقّ الحديد
أعبر النار و الصدأ.
أنكسر و أشد انكساري
أنتصب فانوسا يحترق
ألبس الضمائد معطفا
أخفي ندبة عريضة المدى تحرث الفؤاد
و هذا الحنين الدافئ بلا فائدة يلاحقني
ووحشة البيت الشاسع و أسواره و أغراضه القديمة،
وحدة في الصدى
تعزف ألحانا حزينة
و ترسم دوائر عقيمة، تخدش الجدران

“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
إلى أين ؟
و لا مكان يسع خرابي و لا أرض تنبت لقاحي
تغرسني غصنا طريا أو تشدّني الى عنق التوت المرّ
لا جواز سفر يغيّر هويتي
أو يمحو كل هذا العناء من تجاعيد الصبر
ألى أين المسير ؟
و في حوزتي رنة من المفاتيح
مفاتيح، اكتسبتها، بلا قيمة.
مفاتيح لا تغلق الذاكرة ,و لا تفتح السماء
مفاتيح لا تقفل فجوة الريح
و لا تدير مقابض النسيان … فتريحني من الذوبان

“”””””””””””””””””””””
إلى أين؟
و قد استنفدت أنفاسي ,
و عفوت عن الأعداء
زرعت بذور الوجود بلا قطاف ,
و عدت بجراب فارغ و بستان من رماد؟
حتى في مجاز الرحيل كان لي عنوان
و بيت مكشوف الزجاج
لم أتمكّن يوما من الاختفاء!
تحدق بي الظنون
و تلاحقني الطعنات

“”””””””””””””””””””””””
كنت مصابة بفقدان حاستيْ الشمّ و التذوّق
لكنني في الحقيقة لم يحزني ذلك
فالرّوائح متشابهة ساخرة
و المذاقات مريرة تشبه البارحة
كنت أقضي الوقت، كعنكبوت عجوز،
أحرس خيوطي الرفيعة المتشابكة
أشدّها اليّ كلّما اقتربت منها الأصابع الغليظة
أو تسللت اليها العيون الجائعة رغبة في اتلافها.
عنكبوت حزين، أقلب ناظري و أحدّق بالتجاعيد
في النور الخافت حين تستكين الحركة
تشعّ ظلمتي برفق…
لا تخيفني صرخة مرسومة فوق وجهي
و لا تخيفني الصور الذائبة فوق جلدي
استسلم للنوم الطويل، من دون عناء
الى أين؟!
أقول لنفسي
حتى في مجاز الرحيل
كان لي عنوان و بيت من زجاج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*