الرَّضِيعُ.. بقلم الأستاذ محمد جعيجع من الجزائر.

ذَاتَ رَبِيعٍ دَفَعَتْ بِيَّ الأَقْدَارُ إِلَى دَارٍ مُغْمَضَ العَيْنَيْنِ بِصَرْخَةٍ مَنَحَتْ لِيَّ الحَيَاةَ بَعْدَ أَنْ تَسَبَّتُ فِي آلَامٍ كَبِيرَةٍ لِمَنْ حَمَلَتْنِي كُرْهًا وَوَضَعَتْنِي كُرْهًا ؛ لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّهُ مَخَاضٌ عَسِيرٌ لَكِنَّهَا مَشِيئَةُ مَنْ يَقُلْ لِلشَّيْءِ: “كُنْ فَيَكُونُ” بِإِذْنِهِ…
جَارَتُنَا رَزَقَهَا اللهُ بِتَوْأَمٍ ذَكَرٍ وَلَيْسَتْ لَهَا الْقُدْرَةُ عَلَى إِرْضَاعِهِمَا مَعًا، فَكَانَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يُشَارِكُنِي أَحَدُهُمَا طَعَامِي ؛ وَقِيلَ لِي بِأَنَّهُ أَرْضَعَتْنِي أَرْبَعُ نِسْوَةٍ مِنْ بَيْنِهِنَّ أُخْتِي رُفْقَةَ مَوْلُودِهَا بِالإِضَافَةِ إِلَى وَالِدَتِي…
وَلَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيَّ يَوْمٌ أُسَدِّدُ فِيهِ حُقُوقَ الرَّضَعَاتِ بِجَلَدَاتٍ يَكُونُ فِيهَا الجَلَّادُ صِهْرِي وَالمِجْلَادُ أَخِي الَّذِي يُسْرِعُ إِلَيَّ بِالشَّتْمِ وَالتَّقْبِيحِ وَالضَّرْبِ دُونَ سَبَبٍ يَذْكُرُهُ…
أَرْضَعْتِنِي لَيْتَنِي مَا كُنْتُ أَرْضَاهَا … تُرْضِعْ وَقَدْ حَيَّرَ الشَّيْطَانَ مَسْعَاهَا
تُرْضِعُنِي وَابْنَهَا وَالبَعْلُ قَدْ كَنَّ لِي …. حِقْدًا دَفِينًا قَدْ صَاحَبَ ثَـدْيَاهَا
رَضَــعْتُهَا مُـكْرَهًا وَالأَمْـرُ مَا كَانَ لِي … أَرْعَى وَقَدْ سَـمَّـمَ الإِحْـقَادُ مَرْعَاهَا
تَـنْظُرْ وَقَـدْ أَحْـضَرَ الجَـلَّادُ مِــجْلَادَ ظُلْـ … مٍ وَاحِدًا مِــنْ إِخْـوَتِي فَأَرْضَاهَا
يَجْلِدُنِي عَنْ مَاضٍ لَمْ يَكُنْ رَغْبَةً … مِنِّي وَلَا رَحْمَةً لِي مِنْهُ أَلْقَاهَا
يَمْــضِي إِلَى بَيْــتِهَا مِنْ سَــفَرٍ مُسْرِعًا … بِالشَّوْقِ بِالطَّاعَةِ العَمْيَاءِ يَلْقَاهَا
يَأْتِـــــي إِلَـيْــــهَا قَـــبْلَ أُمِّـــهِ.. السَّــــبْـقُ لِلْـ … صِّهْــرِ وَأُخْتٍ قَـدْ أَبْــلَى بِبَلْوَاهَا
يَأْوِي إِلَــيْــهَا وَزَوْجَــهَا الَّذِي قَدْ أَعَدْ … دَ فِتْـنَةً حَــاكَ مُــجْــرَاهَا وَمُــرْسَاهَا
يَــهْــرَعْ إِلَيْ هَائِــجًا كَالـثَّــوْرِ مِنْ فَاتِنٍ … بِالضَّــرْبِ شُــلَّتْ يُــمْـنَاهُ وَيُـــمْنَاهَا
يَـضْـرِبُـــنِي عَنْ حَلِــيبٍ جُـــرْعَةً جُـــــرْعَةً … لَا طَـــيَّبَ اللهُ مَــثْــوَاهُ وَمَــثْــوَاهَا
اِسْتَمَرَّ الْحَالُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ إِلَى أَنِ اشْتَدَّ عُودِي وَتَشَجَّعْتُ عَلَى وَضْعِ حَدٍّ لِلْمُمَارَسَاتِ العُدْوَانِيَةِ التِي طَالَتْ كَرَامَتِي؛ وَمَا زَالَ الأَثَرُ بَاقِيًا فِي نَفْسِيَتِي إِلَى يَوْمِ النَّاسِ هَذَا حَتَّى وَأَنَا فِي سِنِّ الْخَمْسِينَ. لَا لِذَنْبٍ سِوَى بِضْعِ رَضَعَاتٍ قُدِّمَتْ لِي وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ عُقُوبَتَهَا لَمَا أَخَذْتُ مِنْهَا وَ لَوِ النَّزْرَ الْيَسِيرَ…

One Reply to “الرَّضِيعُ.. بقلم الأستاذ محمد جعيجع من الجزائر.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*