طعـم الانتـظـار بقلم عاطف بن عبد القادر من تونس.

انتظار هو بمثابة رحلة امتدّ طريقها بين الحلم والواقع، قصة تنبع من نواميس القلب تذهب إلى كلّ معطى محمّل بعبير العاطفة والوجدان والوفاء ..

الانسان يحب التملّك غريزياً وملكية شريك الحياة لا تزال من أكبر وأهم أحلام البشر، عاش الحبيب متلهفاً يتوق عطر العشق واللقاء بين ذراعي الحبّ الأزلي وبين رعشة القشعريرة العميقة في أغوار بريق عالم بهيج الذي لطالما خطط له رغم خضم متغيرات الحال وحقائب المآل.

لقد ظلّت صورتها مرسومة في مخيلته بشكل رهيب لم يستطع إزالته حتى أنّه قد أنهك نفسه بتوسل نعمة النسيان في صلواته ودعواته حتى يبدد مخاوفه وشكوكه التي ترعبه في أحلام اليقظة خلال همسات أواخر الليل وجفاء صمت النوم الكثيف الذي ما انفك يستعرض جنون التصور والاشاعة ..

ظلّ محدقاً في نفسه متعجّباً بمقدار صبره عن ذلك التودد المطوّل الذي اختزلته الابتسامة الخفيفة والكبرياء الجافّ أمام فسيفساء من عديد المشاعر والأحاسيس التي يكنّها تجاهها، فوضى عاطفية لا توصف قد أثقلت كاهله من شدّة التحفّظ والتخفي والحذر إذ ليس الحديث في ذلك بالأمر الهيّن عليه، من أجل هذا كلّه لم تهب له الشجاعة الكافية للبوح والتوغل في التعبير عن تفاصيل أسراره.

لقد أرسل إليها العديد من الرسائل الضمنيّة ودوّن لها الكثير من التعليقات غير المباشرة وكتب من أجلها أمتع النصوص الخفيّة التي أٌفلتت عناوينها عن مشاعره الجيّاشة وعواطفه الفيّاضة، فإن لم تنجح فإنّها قد مثّلت إلى حين نشيجاً سعى بواسطته إلى استعادة ذكريات جميلة ولحظات رائعة لا مثيل لها غيّبها الزمن، وهو يحاول استحضارها دوما وبثّ الحياة فيها حتى لا تعصف بها الأقدار ولا ترمي بها في أودية النسيان. وهل يوجد أجمل من دفء الطفولة أو من ذكريات فصول المدرسة أو من محطات أسوار الجامعة أو كذلك من ذكريات محادثات الحبّ الأوّل وحيثيات العشق الممنوع آنذاك؟

عندما انتهت مرحلة هامة أخرى من مراحل حياة الحبيب، بدأ يتأمل لمختلف تلك اللحظات والأوقات التي قضياها سويّا حيث كانت مفعمة بمناحي التقرّب ومعالم الألفة وملامح المودة ونوازع السعادة المتجذّرة إلى أن انبجست أكثر من أيّ وقت مضى لحظة إعجاب فحكاية عشق ثم قصة حبّ داهمه بشدة ولكنها بقيت تصرّ على غزل بطعم النظرة المتحدية.

لقد عاش صاحبنا الكثير من التقلبات في حياته وسيخوض المزيد، فهذه هي طبيعة الحياة، وهذا ما نفعله نحن أيضا، إلا أنّه سعى إلى النهوض الجديّ والمضي قدما والذهاب بعيدا بما فيه الكفاية في إرادة البحث عن الشيء الأهم على الاطلاق، أين يوجد الحبّ.

ولا غرابة بأنّ الحبيب كان مستمر الحكم على نفسه من حيث قيس ما لديه من إمكانيات وقدرات أو حتى سعيه للعمل على جزئيات شخصيته إلى أن وصل فعلا لدرجات ناصية الكاريزما والنجاح من منظور المحيطين به من اعترافات صريحة لم يكن سيصل إليها دون إرادته وحزمه القويين أو من تشربه لأفكار التميّز والفرادة ضمن حدود محيطه المحليّ وإصراره على تجاوز عراقيل الفشل وفكّه من أسر حتميات الركود وجهضه لفاعلية الجمود الطاغية التي تسري من حوله … كل هذا وأكثر من أجل زيادة حظوظه للنجاح في مأزق الاهتمام والتصعيد.

ولا ريب بأن ذلك سيكلفه الكثير خصوصا وأنه يستصعب دوماً طرق الحياة ومشقاتها ولكن في قرارة نفسه أمر يشعره بأن الكون قد قرر منحه فرص الصمود.

وليس أمتع من أنّه قد أدرك تباعاً أنّ لديها تحفظات وتمثلات خاصة بها من الصعب تغييرها أو تعديلها خاصة وأنها امرأة لها من القيم والمبادئ الكثير انعكست جلياً على شخصيتها العميقة في منظورها للأشياء وحكمها على الأمور ومقاربتها لطبيعة الحقائق التي لطالما ذكّرته بخصال المرأة العربية السّالية والمغناج قديماً، بل هو متفهم لهذا كلّه والذي يعتبره الدافع القويّ الذي يجعله يحبّها أكثر كل مرة ويتمنى جدالها مرارا وتكرارا … إذ كان في باطنه شيء يقول: “إنني أحبّ نفسي وأنا معكِ، فأنت أعزّ صديقة لي وأعمق حبّ لي، أنت الأفضل لي، الأمسَ اليوم وإلى الأبد”.

ومهما يكن من الأمر، فسواء إن نجح في خطف قلبها والظفر بحبها المتبادل له أم مواجهة ردة فعل الاخفاق، فطبيعة الحال والمآل تفرض على الجميع قدرهم المحتوم وهنا لا يقوم جميعنا بإتخاذ قرار مطاردته والصمود في وجهه، ولكن صديقنا الحبيب كان محظوظا لأنّه فعل ذلك، فجميعنا نتخذ قرارات ومواقف، الصعوبة تكمن فقط في العيش معها.

وقبل أن نمرّ إلى حكاية اللقاء المنتظر، لا بدّ من الإشارة إلى صاحبنا الحبيب مستحضر على الدوام في ذاكرته قولا مأثورا عابرا للزمان نطقت به ياسمين خضرة في يوم من الأيام قائلةً: “من يفوّت على نفسه أفضل قصة حبّ في حياته، لن يعيش سوى سنين ندمه وكلّ آهات العالم لن تشفي روحه”.

وعلى ذلك الحال إلى أن قرر القدر مجيء اليوم الموعود …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*