نغم السكون… بقلم الكاتب كمال بستاني من تونس.

كان يجلس وحيدا في احدى المقاهي الشعبية بتونس العاصمة.. فنجان القهوة أمامه كما أن كان الوحيد القادر على احتواء كمية الوجع داخله.. رشفة واحدة منه كانت كافية ليرى خلاصة سنين قد اجتمعت فيه.. بداية المطر ولفحات الشتاء وتلك الذكريات كانت كفيلة بأن ينضج الألم في صدره ليزداد المشهد ارتباكا وتشابها بحال وطنه…

متواضعة جدا سيجارته التي في يده… هي ليست من السجائر المستوردة خفيفة النفس لذيذة النكهة… هي محلية الصنع مثله، كُتب لها أن تولد وتحترق داخل هذه الرقعة من الأرض … دخانها الذي يملأ المكان يرسمُ ذات المشهد دون خروج عن النص، يده وسيجارته وأيام تعيد نفسها دون ملل.

من حوله بيوت ودكاكين تصغي لنغم السكون الموحش، ولا أبلغ من صمت الحزن لأرواح أنهكها الترقب والتمني وخداع النفس بغد أفضل… فإن حلت المصائب بدل الأماني تواسي نفسها ب “دفع الله ما كان أعظم” وتداوي جرحها بالملح وتصمت…

لا موسيقى ولا صوت فيروز لصباحات شيمتها الكسل في شوارع المدينة الداكنة أين تنتفض طيورها فزعا ورعبا من حصى أولئك الصبية الذين يسبقون الفجر نحو المزابل، ويترجون السماء ألا تمطر لأن بيوتهم مبنية من القش…

سكون قاتل يحاصره وهذا الليل لا يكدره سوى صريرِ ابواب الصفيح لبيوت تراصفت الى بعضها البعض كأنما تنشد قليلا من الدفء… عيناه وحدهما تراقبان العالم وهذه السماوات التي تعطلت عند ابوابها الادعية… فلا انباء عن الفقراء الذين شيَّعهم العويل، معطلة حواسنا عن إدراك ذلك… وأضحى الأمر مؤكدا… أن من عاش شقيا في الارض لن يكون ملكا في السماء!

منسي هو كفكرة لم تُدَوَّن، منذ ان تخلى الوطن عن ذاكرته…فقط… فقط تلك النافذة هي عالمه الفسيح… واعقاب السجائر التي تتطاير منها هي متعته الوحيدة… وقلبه الذي دفنه قد تنبض به أرض ارتوت من دماء كافية لاخضرار ألف موطن ووطن!

صور عديدة ازدحمت في مخيلته في ذلك الوقت المتأخر من الليل، لكنه دسّ وجهه في شاشة جواله كمن يهرب من اجتياح الصور والأفكار لوحدته ولرغبته الدفينة واللا شعورية ربما في الالتصاق بالوطن وأخباره الى آخر لحظة أو ربما في مغادرته بلا رجعة…

ارتد ذهنه الى اول رحلاته الجوية الى مدينة لندن على متن الخطوط الجوية التونسية والى عملية الهبوط العسيرة في سمائها الغائمة المسكونة دوما بالمطبات… عادت به مخيلته إلى لحظة الإقلاع من مطار تونس قرطاج الدولي عندما قال كمن يحدث نفسه: “هذه الرحلة مختلفة في كل شيء وهذه الطائرة تشبه بلدي في تعاستها..”

صورة أخرى تبادرت الى ذهنه… صورة تلك الفتاة الانجليزية الجميلة.. التي التقاها أو التقته في احدى ليالي الصيف ب”بوڨنر ريجس”.. كان يجلس كما الآن وحيدا يحتسي كأسا من الهاينكن في ملهى “شايكس” الليلي يسائل قدر عروبته… عندما بادرته تلك الفتاة بقولها: “عفوا… لم أنت وحيد أيها الاجنبي.. .هل من الممكن أن اشاركك كأسا… لا تخف سأدفع حسابي.. انا لست منهن… أنا لست فتاة ليل فقط اردت ان افك عزلتك”…كانت بسيطة ورائعة… تتصرف بكل انسانية وتلقائية.. بلا عقد…

صورة وابتسامة سرعان ما محتهما ذكرى المطوع في مدينة الرياض… كانت الساعة تشير الى الخامسة وعشرين دقيقة… وقت صلاة المغرب… كان يقف امام منزله لا وجهة له ولا هدف… توقفت بجانبه سيارة هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وسأله أحد المطوعين فيها:”انت ايش جنسيتك؟ ليش ما تصلي؟ اي مذهب تتبعون أنتم؟”

تلاقحت الذكريات… تكاثرت كما الأوغاد في بلده… تهالكت… تكالبت… فتحت كل الأبواب الموصدة…. ويسرت كل شيء في سبيل البذاءة والتدني… أسئلة كثيرة خامرت ذهنه ولم يعد يذكر جُلّها… تفرغ لحين لإحصاء هزائمه وصفق كالمجنون بلا وعي لكل عملية هبوط اضطراري نحو قاع البؤس والعدم…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*