تجاعيد..! قصّة قصيرة بقلم الكاتب وسام حفصي من تونس.

نظر الطّبيب إلى حيث أشارت له المريضة. بثرةٌ صغيرة داكنة في أسفل ذراعها الأيسر لا يتجاوز قطرها ستّة أو سبعة ملّيمترات، كأنّها حبّة زيتون برّي. تفحّصها بطرفي إبهامه وسبّابته الأيمنين. ليست مؤلمة. وليست ليّنة ولا صلبة، هي بين ذلك مجالا. بعد ذلك ألقى نظرة متمعّنة شاملة على بقيّة جسدها فلم يجد شيئا يثير الانشغال.

قال الطّبيب مُطَمْئِنًا مريضته:

– ليس فيها أيّ خطر محتمل. يمكنك تركها أو إزالتها. ولكن من وجهة نظري الحريصة أنصحكِ بتركها لأنّ أثر الجراحة سيترك لك ندبة أكبر منها، أؤكّد لكِ هذا…

– المهمّ أنّها ليست خطيرة، لن تتطوّر إلى مرض خبيث. أليس كذلك؟

– قطعا لا، أنصحك بعدم التّفكير فيها مجدّدا. هي لا شيء، لا شيء إطلاقا.

– الحمد لله، لقد طمأنتني يا دكتور… كم أجرتك؟

– ستّون دينارا.

– ستّون دينارا كاملة؟ ولكنّك لم تفعل لي شيئا..! أيتكلّف مجرّد فحص دينارا!؟ هذا غير معقول!.

ردّ الطّبيب بهدوء:

– أظنّ يا سيّدتي المحترمة أن لا أحد أجبرك على المجيء إليّ!.

– المفروض أنّ عملك نبيل، وأنّك تساعد المرضى لا تبتزّهم..! ما تطلبه كثير وغير مقبول…!

– لكلّ عمل أجر يا سيدتي، وأذكّرك أنّك كنتِ قبل دقائق فقط متوتّرة ومضطربة من الخوف…. ولا شك أنّك كنت تفكّرين فيما تفكّرين فيه أنّك قد ترحلين عن هذه الدنيا قريبا بسبب هذه البثرة اللّعينة وكنت تفكّرين في انفلات تلك السّنوات الطّويلة التّي عشتِها وفي الذّكريات الكثيرة التي ارتسمت في ذهنك وفي أحلامك ومشاريعك التّي قد لا يسمح لك ما تبقّى من العمر لإنجازها. ولكن الآن بعد عيادة قصيرة دامت بضع دقائق رُدّت إليك الرّوح من جديد، واطمأنّ قلبك، وهدأت نفسك، وقفزت إلى ذهنك كلّ الأشياء الجميلة التّي تربطك بالحياة. هل تنكرين ذلك؟!

– كلّا! ولكنّ الظّروف عصيبة هذه الأيّام، وأنت طبيب، ألا يقال أنّ الأطبّاء ملائكة الرّحمة؟!

قالت ذلك وهي تُخرج النّقود من كيس جلدي صغير بمحفظتها، وبغتة توقّفت كأنّ أمرا خطيرا دار ببالها، وتطلّعت إليه بارتباك وهي تقول:

– نسيت أن أخبرك، في الحقيقة أنا جئت كذلك لسبب آخر، أريد أن أتخلّص من هذه التّجاعيد القبيحة في وجهي. هل تحقن البوتوكس؟

8 سبتمبر 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*