اللّص..! قصّة قصيرة بقلم الكاتب وسام حفصي من تونس.

حدثت هذه الحكاية الطّريفة قبل سنوات قليلة في حيّ متواضع بإحدى ضواحي العاصمة. وقبل أن أروي تفاصيل الحادثة عليّ أن أقول إنّ سيرين كانت فتاة في أوائل العشرين من عمرها، وكانت على علاقة بشابّ يُدعى وليد يكبرها بسنوات قليلة، وكانت تحبّه كثيرا، أمّا هو فربّما كان يحبّها أيضا ولكن بدرجة أقل، وكان مولعا بجمالها. وفي الحقيقة فإنّ سيرين لم تكن تمتلك شيئا ذا بال ما عدا جسدها الفاتن. كانت من أسرة متواضعة. وكانت قد انقطعت عن الدّراسة منذ الثّانوية، ثم اشتغلت قليلا بمعمل بسكويت قبل أن تمكث في المنزل برغبة من حبيبها الذي زعم أنّه يغار عليها من الاختلاط الزائد إضافة إلى أنّ الأجر الذي تتقاضاه زهيد مقارنة بالعمل الشاق الذي تؤدّيه. أمّا وليد، فلئن كان من أسرة متواضعة أيضا، فقد كان خرّيج جامعة، وكان موظّفا حديث العهد بإحدى شركات تأمين السّيارات، ولأجل هذا السبب تحديدا فقد كان معتدّا بنفسه وكانت هي تراه بعين كبيرة أيضا. ولعلّ كلّ هذه التّفاصيل لا تفيد شيئا في سيرورة قصّتنا هذه. ولكنّها على كل حال تمكّن القارئ المتشوّق من فكرة ضافية عن بطليها.

في إحدى أمسيات الخريف الباردة كانت سيرين تتحادث مع وليد بالهاتف، وممّا ورد في حديثها أنّها ماكثة بمفردها في المنزل لأنّ والديها رافقا أخاها الوحيد إلى المطار قبل أن يذهبا لزيارة أحد الأقارب الذّي غادر المستشفى لتوّه بعد وعكة صحيّة حادة ألمّت به، وأنّ من المستبعد أن يعودا قبل منتصف الليل. ومع أنّها رفضت اصطحابهما بسبب صداع خفيف انتابها بغتة فإنّها شعرت بضجر قاتل بعد ذلك. وبعد أن استمع وليد إلى تشكّياتها باهتمام وعطف استطاع أن يقنعها بالمجيء إليها بنيّة مؤانستها فقبلت بعد إلحاح.

لم يكن وليد شابا سيء السّمعة، ولكنّ رغبته فيها لم تكن تخفى عليها. وكانت تبادله نفس الشّعور ولا تكاد تصبر عليه لولا أنّها كانت تخشى سطوة أبيها. كان أبوها إبراهيم ضابطا متقاعدا. وكان صعب المراس، صارما، شديدا، غليظا. ولكنّ مخاوفها منه جميعا امّحت فجأة أمام كلام حبيبها المعسول كأنّه مارس عليها طقوسا من التّنويم المغناطيسي. ولو صدقنا القول فإنّ براعة الشاب في مغازلة الفتيات ومراودتهن لا جدال فيها، بل تكاد تكون استثنائية. ولكنّ سلوكه الظاهر كان من الحذر والحيطة بمكان إلى درجة أن لا أحد كان يتوقّع أنّ شخصا مثله له مع النّساء حكايات طويلة. أمّا سيرين فكانت متيقّنة أن لا امرأة في قلبه غيرها، على الأقل حينئذ، وربّما كانت محقّة في يقينها هذا، لولا أنّ في ذهنه فتيات أخريات أيضا.

أوقف وليد سيّارة تاكسي وقصد منزل صديقته. وعندما وصل كانت الساعة تشير إلى التّاسعة والنصف، وكان النّهج خاليا تماما. وقبل أن تفتح له سيرين الباب كانت قد اطمأنّت إلى أن لا أحد تفطّن إليه.

ولم يكد العاشقان ينفردان ببعضهما البعض حتى ترامى إلى مسمعهما طرْقٌ خفيف بالباب، فارتبكا. ألقت سيرين الوشاح على رأسها والمعطف على ظهرها وخرجت تستطلع الأمر بعد أن اختبأ وليد في غرفتها وراء الباب.

كانت الطّارقة جارتها العجوز مُنجية. وكانت لا تربطها بالعائلة علاقة كبيرة. ولكن كان من المعروف عنها أنّها كثيرا ما تحشر نفسها في مسائل لا تهمّها. والحقيقة أنّ تلك الصفة ليست حكرا عليها فقط، بل يكاد رائجة بين جميع سكان الأحياء الشعبية على اختلاف شرائحهم. وإذا كانت تلك عادة سيّئة في المطلق فإنّها نابعة من إيمانهم الصّادق بأنّ جميع سكّان الحيّ عائلة واحدة مهما اختلفوا فيما بينهم.

قالت العجوز مخاطبة الفتاة:

– هل أنت بخير؟

– الحمد لله.

– عمّك الحاج سالم قال لي أنّه لمح لصّا يتسلّل إلى منزلكم.

– لصّا؟ اطمئني يا خالتي. أنا بخير وليس هناك أي لصّ.

ردّت الفتاة وهي تحاول أن تخفي ارتباكها.

– المفيد أنّك بخير يا بنيّتي. تصبحين على خير.

– وأنت بالأمثل.

بعد برهة قليلة عادت العجوز ومعها الحاج سالم. وفكّرت سيرين أن تتجاهل الطرق الذّي كان عنيفا هذه المرة، ولكن أمام استمراره رأت أنّ الأفضل أن تلملم الأمر قبل أن يحدث ما لا تُحمد عقباه فهرعت إلى فتح الباب. وبادرها الحاج بالكلام قائلا:

– أنا لا أهذي ولا أتوهّم. لقد رأيت السّارق يتسلّل من الباب. ربّما كنتِ آنذاك في الحمّام أو فوق السّطح ولم تتفطّني إليه يا ابنتي. وقد انتظرت أن أراه مغادرا ولكن دون أثر. ولذلك لا أشكّ أنه يختبئ في ركن مّا في منزلكم، وأخشى أن يعتدي عليك.

ردّت الفتاة وقد امتقع وجهها:

– صدّقني ليس هناك أيّ شخص يا حاج. لعلّها مجرّد تهيّؤات.

– صحيح أنا عجوز وقد وهن ذهني، ولكن ليس لدرجة أن أتوهّم أشياء لا وجود لها.

في الأثناء كانت شريفة المجنونة مارّة فانتبهت إلى حديثهم فشرعت تصرخ بأعلى صوتها:

– سارق! سارق!

كان صراخها مرتفعا ومذعورا إلى درجة أنّ الجيران الذين كانوا متعوّدين على شطحاتها المفاجئة شكّوا في أن يكون حصل لها أمر فعلا. فخرجوا من منازلهم فزعين. وزاد تحقّقهم من صدقها حين لمحوا الحاج سالم وزوجته واقفين على غير العادة في ذلك الوقت المتأخر من الليل أمام منزل الضابط إبراهيم ومعهما ابنته، وبدوا ثلاثتهم كأنّهم يناقشون أمرا جللا، فاقتربوا منهم بفضول وتأهّبٍ ليستجْلُوا الأمر، بينما كانت الفتاة المسكينة تحاول بحركات عينيها ورأسها وجسدها الحائرة تحاول أن تقنعهم بأنّ الحكاية لا صحّة لها، ولكن دون جدوى.

قال مراد النّجار وهو لا يزال يحمل منشارا في يده كان يستعمله في قطع بعض الخشب، فلما سمع اللغط ترك المحل وشأنه وهرع مستطلعا ناسيا أن يضعه في مكانه:

– لو أنّني أمسك به سأقطع أطرافه كأغصان كاليتوسة يابسة.

كان رجلا متهوّرا فعلا، وكان جسمه الضّخم إذا غضب قادرا على بثّ الرّعب في قلوب أعتى الرّجال. فيما أراد حاتم عون البلديّة ذو السّاق المبتورة أن يلطّف الجوّ قبل أن ينفجر، فقال بنبرة خافتة كأنّ صوته ينبعث من قبو ضيّق:

– أرى أن نتّصل بالشّرطة.

على أنّ صوته ذاك لم يكن ليذهب سدى، فقد التقطته مسامع جميع الحاضرين بكلّ وضوح. ولئن هزّ بعضهم رؤوسهم موافقين فإنّ سليمان صاحب محلّ البقالة قد انفجر مقهقها على حين غرّة كأنّما انتابته نوبة من هستيريا الضّحك، وأنشأ يقول:

– شرطة. وما عساها تفعل الشّرطة؟ ستتلكّأ في المجيء حتّى نكاد نيأس منها. ثمّ بعدئذ يأتي عونان أو ثلاثة ويقولون لنا أنّهم لا يملكون الإذن بمداهمة المنزل. ويفرّ السّارق في أثناء ذلك غانما سالما معافى. وحتّى إذا قبضوا عليه فإنّهم سيطلقون سراحه من الغد. أنا أعرف رجال الشرطة جيّدا وأعرف كيف يعملون.

وجعل يسرد على مسامعهم بطولاته التي لم تكن تخفى على أحد، من قبيل كيف أنّه يبيع الجعة خلسة في محلّه، والقنّب الهندي أيضا، وأنّ الأعوان يغضّون الطّرف عنه مقابل رشوة بسيطة يدفعها أو سهرة شُرب ممتعة ينظّمها من وقت لآخر في الخلاء.

ثمّ قال مضيفا:

– ومع أنّهم أصدقائي جميعا -أقصد في السرّ- فأنا لا أثق فيهم.

قال ذلك وهمّ أن ينقضّ على الباب، فتبعه مراد، ونفر آخرون. فيما كانت سميرة الحلّاقة تهمس لجارتها زينب أنّ الأمر مسلّ فعلا. كانت تلك الحادثة صالحة لأن تسردها على حريفاتها طيلة شهر كامل، مع كثير من الإضافات التي تضفي عليها شيئا من الأسطورة طبعا.

في أثناء ذلك الهرج، كانت سيرين واقفة أمام الباب ثابتة ساكنة كالصّنم، فلمّا شعرت بجديّتهم في اقتحام المنزل التفتت إلى الحاج سالم قائلة بشيء من الغضب والتوسّل:

– أيرضيك هذا الذي يحدث يا عمّي الحاج؟ أيرضيك أن يدخل كلّ هؤلاء على حُرمة في غياب أبيها؟ إذا كان هذا يرضيك فليدلفوا جميعا.

وكأنّها عرفت كيف تدغدغ قلب العجوز، فإنّه أطرق رأسه قليلا بشيء من الأسف، ثمّ أشار إلى الجمع بالتعقّل والتريّث فأنصتوا إليه، ذلك أنّه كان يحظى لديهم بهيبة واحترام.

كانت السّاعة آنذاك تشير إلى منتصف اللّيل إلا الرّبع. وسُمع هدير محرّك سيّارة قديمة يقترب شيئا فشيئا، ثمّ تبعه انبعاث أضواء صفراء شاحبة في أوّل النّهج الطويل الضّيق. كان ذلك الضّابط إبراهيم وزوجته علياء. وإذ توقّفت السّيارة أمام المنزل هال الزّوجين ما رأياه من الجمع الغفير ولمعت برأسيهما أسئلة عديدة كأنّها خيوط برق خاطف. وسرعان ما استويا واقفَين، وقال الضّابط بنبرة حازمة:

– ماذا جرى؟

كان معروفا عن الضّابط إبراهيم في كامل الحيّ أنّه حادّ الطبع، غليظ السّلوك، ولكنّه كان -مع ذلك- مستقيما لا يعرف اللّف ولا الدّوران ولا يتجنّى على النّاس جزافا، ولأجل ذلك كان مُهابا ومُحترما في الآن ذاته. أمّا زوجته علياء فكانت امرأة متديّنة، لطيفة، هادئة ومطيعة. وكانت حسنة السّمعة، ليّنة الطّبع، سهلة المعاشرة. ولم تكن طبيعتها تلك لتسلب منها الذّكاء والكياسة. ولذلك ما لبثت أن جذبت ابنتها من يدها ودلفت وإيّاها إلى الدّاخل كأنّها غير عابئة بما يحدث أمام منزلها.

قال العمّ سالم موضّحا:

– أظنّ أنّ لصّا تسلّل إلى منزلكم.

– هل رأيته؟

ردّ الضّابط بصوت خشن جافّ كأنّه في معسكر حربي. ثمّ سرعان ما أردف قائلا:

– هل أنت متأكّد؟ وأنتم هل رأيتموه أيضا؟

في تلك اللّحظة اقترب منه سليمان خطوتين، وهزّ رأسه قائلا:

– نعم. كلّا! في الحقيقة لا ندري!

كانت رائحة الشّرب لا تزال تنبعث من فمه القبيح. وانزعج الضّابط لذلك أيّما انزعاج، فالتفت إلى العجوز وحدجه بنظرة معاتبة وقال له:

– أراك جمعت علينا أهل الحيّ من أجل لا شيء يا حاج، حتّى السّكارى أصبحوا يترنّحون على أعتاب بابي.

– أقسم لك أنّني رأيت شخصا غريبا يتسلّل إلى الدّاخل. وما فعلت ما فعلت إلا خوفا وحرصا على سيرين. إنّها بمثابة ابنتي نفيسة، بل هي عزائي الوحيد بعد فقدانها.

كانت نفيسة ابنة الحاجّ الوحيدة. وكانت قد فارقت الحياة عند المخاض، ومات معها جنينها. ولذلك فما إن سمع إبراهيم قوله ذلك حتّى تأثّر تأثّرا شديدا، ولم يشأ أن يتمادى معه في الجدال، فقال بنبرة تخالجها المودّة والشّفقة:

– لا عليك. انصرفوا الآن. وسأنظر في الأمر بنفسي.

فانسحب الجميع على مضض كأنّهم فوّتوا على أنفسهم مشاهدة بقيّة فيلم مثير. وكانت سميرة الحلّاقة بلا شكّ أكثر المتذمّرين.

في الدّاخل، انكشفت جميع خيوط الحكاية. وكان الضّابط يغلي كأنّه أسد هائج، لولا أنّ زوجته حاولت تهدئته قائلة:

– إذا لم تُخفض صوتك سيفتضح الأمر ونصبح مضغة على كلّ لسان.

فاستجاب لها مرغما وأغمض جفنيه ووضع كفّيه على وجهه كأنّه يحاول أن يهرب من الحقيقة. بينما كانت سيرين تشهق بالعبرات وهي تقول:

– والله لم نفعل شيئا. لم يلمسني أبدا. إن شئت فلتتأكّد من ذلك. تعالي يا أمّي واكشفي عليّ.

أمّا الشّاب وليد فقد كان يرتجف من شدّة الخوف كالقصبة، وبال في ثيابه..

عند الفجر كان إبراهيم يسير بخطوات متثاقلة إلى الجامع، قبل أن يعرّج على المقهى كعادته ليدخّن شيشته الصّباحية. وخرجت في إثره امرأتان إحداهما ترتدي سفساري كريميّا هي السّيدة علياء، فيما كانت الثّانية ترتدي جلبابا أزرق فاقعا يحجب كامل جسدها. ولم تكن في حقيقة الأمر إلّا وليد!

بعد أقلّ من شهر تمّ عقد قران وليد على سيرين.

10-11 نوفمبر 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*