الهدرة الثّانية: ” للأشواك… جمال ” من كتاب ميتروهات..وهدرات.. للكاتبة سونيا عبد اللطيف من تونس.

في الحقيقة لم أفكّر أن أتأمّلها ولا أن ألتفت إليها ولا أن أعيرها اهتمامي ولا أن أتوقّف قبالتها لبضع الدّقائق أتمعّنها، أنظر إلى أطرافها وأغصانها، إلى جذعها وعنقها، ولم أفكّر في تدوين ملاحظاتي وما استرعى انتباهي وشدّني إليها حتى عند وصولي إلى بيتي..

تقريبا يوميّا أمرّ من ذلك الطّريق ذهابا وإيّابا قاصدة عملي، وأثناء سيري عادة ما تجدني أنظر حولي وإلى كلّ ما يثير اهتمامي خاصّة الكون والطّبيعة وبعض الحالات الشّاذة… أنظر إلى الشّمس: بزوغها، شروقها، صعودها، نزولها، غيابها، غروبها، نورها الأصفر الخافت، نورها الأبيض اللّامع، ضوئها السّاطع، وهجها اللّافح، اصفرارها، احمرارها وحتى زوالها…

أنظر إلى السّماء المبتهجة، إلى امتدادها واتّساعها،إلى تفاؤلها وتشاؤمها، إلى تموّجات ألوانها، من أزرق غامق وأزرق نيليّ، إلى سماويّ فاتح وأزرق باهت، أنظر إلى الاخضرار المتناثر هنا وهناك، إلى الحدائق على الجنبات، إلى الأشجار المتواجدة على الأرصفة والطّرقات والنّخلات الباسقات وجريداتها الهائمات التي تلعب بخصلات شعرها النّسائم والرّياح، أو تراني أنظر في الأعشاب والحشائش والنّبات خصوصا التي تحدّتْ العوامل المناخيّة والعوائق الحياتيّة والصّعوبات المختلفة من تلوّث وعطش وجحود مطر وغطرسة بشر، وأصرّت أن تنبت وتنمو فتطول وتتطاول وكأنّ لسان حالها يهمس للكائنات :” انظروا هذا أنا على قيد الحياة .. أعيش، أنا أتنفّس الهواء رغما عنكم وعن أنوفكم. “

أحيانا أوجّه بصري إلى البعيد البعيد، أجوب المباني والعمارات وأنتقل إلى مرآة أراها ساطعة مشرقة هناك… هي بحيرة تونس الخضراء التي تبعد عن المكان الذي أقف فيه حوالي السّبعة الكيلومترات… من موقعي هذا، فوق الجسر، على ربوة، باستطاعتي أن أتفرّج على تونس العاصمة كلّها، من جهاتها الثّلاث، بل الأربع، كلّ المباني البعيدة والقريبة تبدو كأنّها تلوّح لي: هذه بناية أفريكا التي كانت تعتبر أعلى بناية في تونس، قبالتها نزل الهناء كلاهما في شارع الحبيب بورقيبة، خلفهما شارع وسوق المنصف باي، أبعد بقليل مقبرة الجلاّز وسيدي عمر الذي يتصدّر الرّبوة يسهر على راحة وحراسة الأموات ورغم ذلك لم تسلم الجثث من أيادي الأشباح… هنالك جهة اليمين باب عليوة ومحطّاته، ثمّ مستشفى الحبيب ثامر وعدّة بنايات لشركات وجامعات وإدارات… أمدّ بصري قليلا إلى جهة يميني فأرى المستشفيات: شارل نيكول، محسن الرّايس للعيون، الأطفال، وصالح عزيز للأمراض الخبيثة… من خلفهم وفوق ربوة مستشفى الرّابطة… قبالة هذه المستشفيات التي تطلّ على شارع 9 أفريل توجد العديد من البنايات حيث القصبة التي توجد في رأس المدينة العتيقة من جهة جنوبها، وتوجد أيضا بعض الوزارات، محكمة الناحية وأظنّها أصبحت بلديّة تونس، محكمة التّعقيب، دار الحزب، قصر الحكومة السّابق ودار الجلد المطعم الفاخر للأشخاص الفاخرين…وغيره… أوجّه بصري إلى جهة اليسار بالنّسبة لبناية أفريكا وبجهة لافايات أرى نزل الدّيبلومات والبلفيدار وسارية العلم العجيب التي وضعت في أعلى نقطة هناك… العلم الذي اشترته تونس من تركيا أُعدّ لها بمناسبة عيد الاستقلال سنة 2016 بمواصفات معيّنة وقيل إنّه كلّفها ثلاثمائة مليون تونسيّ، في حين أنّني سمعت وقتها برنامجا إذاعيّا ساخنا في الموضوع وفي مداخلة عبر الهاتف لرجل أعمال وصاحب مصنع نسيج بقصر هلال أنّه بإمكانه أن ينسج ويخيط ذلك العلم في تونس بنفس المواصفات وبتكلفة ثلاثة ملايين فقط لو أوكلتْ له المهمّة، ولكنْ…

أمر عجيب والأعجب منه أنّي لم أعدْ أرى ذلك العلم يرفع منذ تلك الأيّام الأولى فقد اختفى ولم تبق إلاّ ساريته وبلغني أنّه خدش أو تمزّق بعض الشيء منذ الأيّام الأولى من رفعه…

جنوب البلفيدير وأمامي يوجد باب العسل وحيّ العمران، فنزل الشّيراتون قبالته مبنى التلفزة ووزارة الخارجيّة ثمّ مصحّة التّوفيق وأقرب نقطة إليّ الجبل الأحمر ثمّ حيّ الزّياتين إلى اليمين قليلا… أمّا في جهة اليسار بالنّسبة إليّ فيوجد المنار واحد والمنار اثنان والمركب الجامعي، وراءهم يوجد حيّ العمران الأعلى وأحياء التحرير، التضامن، ابن خلدون والزّهروني… مباشرة ورائي وأقرب بقعة منّي وشمال تلك الأحياء يوجد حيّ الرّمانة ورأس الطّابية الذي يفتح على شارع مفتاح سعد الله حيث تفتح عليه أيضا ثكنة للجيش وينتهي الشّارع بباب سعدون الذي يؤدّي محوّله إلى عدّة طرقات وجهات وأماكن فهو بمثابة المركز والقلب في هذا الموقع فمن هناك يمكن أن نتّجه إلى باردو وما جاوره وشمال تونس وما يحيط بها أو ننزل إلى باب العسل والبلفيدير أو نتجه شمالا شارع 9 أفريل والقصبة والحكومة والطّريق ممتدّ ومتواصل ومتفرّع… مباشرة ورائي وخلف راس الطّابية توجد المبيتات الجامعية باردو واحد واثنان وثلاثة، وراءها الأحياء السّكنيّة باردو، متحف باردو والمجلس التّأسيسي أمّا سجن بوشوشة فيقع على اليسار قليلا، في حين منّوبة ومستشفى الرّازي فهما يقعان جنوبا بالنّسبة لباردو…

فعلا، أنا أقف في نقطة استراتيجية هامة وحسّاسة، فوق هذا الجسر الكلّ حولي يتطلّع إليّ وأنا أتطلّع إليهم وإلى السّماء ، أشكر الله على هذه النّعم وهذا الجاه وهذا البلد… وأشكره لأنّه أنعم عليّ بمتعة البصر فلولاها لما استطعت أن أجوب هنا وهناك… وأن أصف لكم ما ذكرت ورأيت عساني أكون قد وفّقت وأفدت بما أدليت..

أعود بكم بعد هذه الثرثرة إلى ملهمتي، فاتنتي، ساحرتي… حين أكون أمشي تجدني أسرّح البصر، أطلقه ليلتقط الجمال، يبحث عنه في الغريب والعجيب، في الطّريف والظّريف، في القبيح والجميل…. ويوما ما لمحت بين الشّجيرات المغروسة والنّباتات التّلقائيّة المختلفة شجيرة صغيرة جنب الرّصيف، هذه الشجيرة لم تغرس، لم تزرع، لم تبذر، لم تسق ولم تحظ بعناية أو رعاية ومع ذلك فهي نبتتْ ونمتْ وكبرتْ وصار ارتفاعها قرابة المتر والنّصف، امتدّتْ وصارت لها أطراف وأصابع وأسنان بيضاء، بيضاء ناصعة… على مدى فترة لابأس بها، أظنّني كنت لمحتها لكنّي ما ركّزت اهتمامي عليها كنت أواصل سيري وأصرف عنها نظري إلى أشياء أخرى تبدو أهمّ وأبهى، أو كنت أشرد فأغرق في التّفكير في مشاغلي الكثيرة التي تملأ حياتي وتسرق راحتي وكلّ أوقاتي… المشكل أنّني إثر تجاوزها أقصد تلك الشّجرة أشعر بهاجس في أعماقي يحدّثني ويعاتبني فألوم نفسي لعدم التّوقّف عندها ولو للحظة ولعدم التقاط صورة لها بهاتفي الجوّال، كنت أشعر أنّ صورتها تتبعني وتتابعني وخيالها يرافقني ولا يفارقني…

هذه الشّجيرة مختلفة عن نظيراتها وصويحباتها، ليست خضراء ولا تزيّنها أوراق ولا أزهار هي جرداء تماما، لها أغصان يابسة كأنّها أعواد حطب جافّة، لا حياة فيها، كأغصان الخريف الآبدة التي تحتاج إلى القصّ والتّشذيب… الاختلاف الوحيد يكمن في تلك الإبر البيضاء الغليظة الكثيرة والمذبّبة والحادّة في طرفها، المنتشرة على جسدها وأغصانها، فهي أوراقها وأزهارها في فصل الشّتاء… حقّا لا وجود لجمال في هذه الشّجرة ولا أدنى جاذبيّة ولكنّ تلك الأشواك الواخزة البيضاء النّاصعة هي سحرها، هي جمالها، هي بهاؤها، هي فتنتها وهي دليل حياتها، هذه الأشواك هي عيونها التي تبصر بها الدّنيا، هي لسانها وأسنانها وبسمة ثغرها، فأنا كلّما ألمحها أشعر كأنّها تحيّيني وتهمس لي في زهوّ وفخر: أنا كائن مثلكم، أستحقّ الحياة، أشواكي هي رئتي، هي شهيقي وزفيري، بكائي وأنيني، بهائي وصفائي…

ولأنّ على هذه الأرض ما يستحقّ أن نعيش لأجله ولأنّ الحبّ والعطاء يستحقّان الاحترام، التّقدير، الوفاء والإخلاص، فإنّه يتحتّم علينا أن نصنع المستحيل لنحيا ونعيش، ولا ننتظر من أيّ كان أن يمدّ لنا بالمساعدة… نعم، كلّ كائن قادر على حماية نفسه بنفسه، قادر على إثبات وجوده، قادر على إخراج الجمال الذي في باطنه إلى النّور والذي ليس في وسع الآخرين أن يبصروه، يكفي أن يصرّ المخلوق على الثّبات والبقاء كي يحسّ به الغير ويؤمنوا به، ويكفي في المقابل أن نبحث بقلوبنا عن البهيّ المتخفّي عنّا لدى الآخرين، أن نجده ونخرجه، فالخير والشرّ متلازمان والقبح والحسن متواجدان، فإذا نظرت بعينيك بحبّ وحكمة يتسرّب إلى قلبك وروحك الجمال، الخير مهما كان ضئيلا ومهما كان حجمه صغيرا يمكنك فرزه وإبرازه وإحاطته بالعناية والاهتمام حتى ينمو ويكبر، يزهر ويثمر فيعمّ الخير الجميع ويغمر الحبّ العباد وتسكن الرّحمة القلوب…

هذا ما حدّثتني به الشجيرة صاحبة الأسنان الإبريّة الحادّة النّاصعة البياض، جمالها ليس في مظهرها، ولا في شكلها، أو في ثمارها إنّما سرّ جمالها يوجد في قلبها وروحها، في صمودها من أجل البقاء رغم التّصحّر والإهمال فعلى هذه الأرض ما يستحقّ أن نعيش له ولأجله وأن نصمد له بوقفة إجلال…

فكونوا أنامل رقيقة، ظريفة، لطيفة ولا تكونوا أشواكا واخزة أو عالقة في الحناجر كي لا ينقلب السّحر على ساحره ويصير الخير شرّا واليسر عسرا…

2 Replies to “الهدرة الثّانية: ” للأشواك… جمال ” من كتاب ميتروهات..وهدرات.. للكاتبة سونيا عبد اللطيف من تونس.”

  1. سيدتي الفاضلة قرأت لك الكثير واستمتعت كثيرا مما قرأت واستفدت ايضا كثيرا. فكتاباتك المتنوعة لا تخلو ابدا من وعض او نصيحة أو إفادة. لكن هذه المرة في هذا النص سحر غريب عندما شرعت في قراءته كنت منهكا خائر القوى وانت تعلمين ظروفي الصحية . قلت. عندما بدات القراءة قلت في نفسي ساقرأ سطرين او ثلاثة واؤجل البقية إلى ما بعد استراحتي ولكنني فجأة وجدت نفسي واقفا الى جانبك ونظراتي تتابع أصبعك الرقيق وكأن على رأسه ضوء الليزر ليعرفني بكل أماكن العاصمة التي اجهلها وكأنني اجوبها راجلا ..فلك الف شكر صديقتي ودام مدادك وعطاءك.

    • سيدتي الفاضلة قرأت لك الكثير واستمتعت كثيرا مما قرأت واستفدت ايضا كثيرا. فكتاباتك المتنوعة لا تخلو ابدا من وعض او نصيحة أو إفادة. لكن هذه المرة في هذا النص سحر غريب عندما شرعت في قراءته كنت منهكا خائر القوى وانت تعلمين ظروفي الصحية . قلت. عندما بدات القراءة قلت في نفسي ساقرأ سطرين او ثلاثة واؤجل البقية إلى ما بعد استراحتي ولكنني فجأة وجدت نفسي واقفا الى جانبك ونظراتي تتابع أصبعك الرقيق وكأن على رأسه ضوء الليزر ليعرفني بكل أماكن العاصمة التي اجهلها وكأنني اجوبها راجلا ..فلك الف شكر صديقتي ودام مدادك وعطاءك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*