يوم آخر يمر بقلم الشاعرة فاطمة الداودي من تونس.

من عاداتي الصباحية فحص فراشة لم تسقط بعد
تعشق قبعة قش، وقفازات سوداء
في قلبي تلهو،
تحت مطر سخي
تطلق ساقيها للخيال
تفرد أشرعتها للريح
وتفتح نافذتها على وقع أقدام شارع طويل
يسرع نحو أعماقها قبل الموت
من بين أطراف حوافره يمر يوم آخر
يرافق املا، كلما أسرع في الخروج
ولم يحمل معه قبعة قش
إلا اضطررت أن أرسل خلفه
وكلما عاد إلى موقد امراة جاثمة في الليل
إلا وجد طقوس شتاء أسرعت إليها بحساء ساخن
وكثير من السوائل الدافئة
عيون عاداتها تعشق أبخرة الدفء قبل النوم
لأنه غرس في كوابيس يقظتها سكينا
وبكل دقة متناهية تجمد الشتاء في قلب فراشتها
صارت تضع قبعة قش وقفازات سوداء
تجنبا لجروح أخرى خلف ظهرها

يوم آخر يمر وفراشة قلبي لم تسقط بعد
خطوات سريعة، تشدني من عنقي
نحو عمق شديد البؤس حيث قبر أبي
رحل منذ ست سنوات
صوته لم يتوسد الصمت
لم يفارق عاداتي اليومية
روحه تسكنني
نحتسي دفء البيت
أنا لست متهيئة بعد أيها الشتاء
أنتظر قليلا
لأقص المسافة بين بيتي والمقبرة
وأشحذ جناحي فراشتي جيدا
منذ بزغ لها لسان فوق ظهرها
لم تفرده للطيران
انتظرني قليلا
لأروي شجيرة برتقال في قلب أبي
وادثره بغطاء صوفي
وأحضنه وأنام
أسعفني بعضا من الوقت
أعد له وجبة ساخنة
وأزور طبيبا موعده لازال معلقا على إشارة الانتظار
خلفه أحلامي منذ سنين
أجنحتها عريضة كالريح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*