أياً يكن ، لا أحد بانتظارك..! قصة قصيرة بقلم الكاتبة عبير عادل من اليمن.

تماما كَمن يمشي بطريق لا عِلم له بنهايته ولا بطوله ، جُِل اهتمامهِ كان يَصب في أن يمضي يومه فقط ، و إن كانت أغلب ايامه متشابهه تماما ، لكنه كان يحاول جاهدا خَلق اختلاف فيها ، وإن كان بسيطا ، كعشاء في مطعم فاخر ، كوب قهوة في مقهى عتيق ، لكن أخبرني ما الفَائدة إن قمت بكل ذلك وحدك ؟ الليل في جوفي فماذا ينفعُ القِنديل؟

كان يشعر بالغربة حتى على طاولة المطعم – ناهيك عن غربة بلده التي يُكابد – ، يلتفت حوله ، الكثير من الأشخاص ، أب وعائلته و الضحكة يحوطهم ، حبيب وحبيبته و الحب ثالثهم ، مجموعه أصدقاء لم يكفوا عن الحديث منذ دخولهم الضحكات تتعالى ، مواقف عِدة تُحكى على طاولتهم، و هو؟ أين المواقف؟ ، الكرسي المقابل له فَارغ ، لا ملامح فيه ، نَظر الى الطاولة ، سيجارته ، كوب قهوة ، مفاتيح السيارة ، وماذا؟… لا شيء!

كمن يحمل خَبرا ساراً ولم يجد من يخبرهُ به ، كَمن اشترى قميصا جديدا يبحث عن رأي أحدهم به ولا يجد ، كالأم في دار المسنين ، تنتظر زيارة ابنها لتخبرهُ انهم لا يجيدون صنع الأرز كما تفعل هي ، كالطفلة التي تفتش أرجاء البيت بحثا عن أبيها الذي وعدها بدمية في حال أنها حازت على علامات عالية، تفتش ، تصرخ بصوت عالٍ 🙁 بابا لقد نجحت ، بابا أين أنت أذهبت لتحضر الدمية؟) من يخبرها أن أباها خطفه المَوت صبيحةَ ذلك اليوم؟ .

تماما كَمن رُملت بعد أول شهر من زواجها من حبيبها ، أتدرك حَجم الندبة التي خلفتها الحياة لها ؟ أتدرك حجم الثقل الذي ستحملهُ طيلة أيام عمرها القادم؟ فُطِمت عن الحُب مبكرا.

كَان خاليا ، أو بالأصح لِنَقل خَاويا ، كل محاولاتهِ لخلق روح أخرى تبوء بالفشل ،الغربة في كل مكان ،تستفحل حتى في ملامحه ، كان ينتظر عودته لموطنه ، عَل شيء من تلك الغربة يتبدد ، سَرَح بعيدا لبرهه ، تذكر وجبه الأفطار التي كانت تعدها له امه في الصباح الباكر ، صوت جارهم وهو يغني في حديقة بيته الجميلة ، قِطة أمه المُدللة ، والكثير من الأجواء التي تحمل رائحة الوطن ، تلك الأجواء ، هي فقط ، قادرة على أن تنتشلهُ مما هو فيه ، لكن أمه باتت في أحد القبور ، وقطتها عاشت بعدها أسبوع فقط ، الجار الذي تحدث عنه مسبقا أنتقل الى حيّ أخر ، وهو ! كان يعلق ورقة في غرفته الرمادية يكتب فيها : ( لا أحد ينتظر عودتك ، أمك رحلت ) ، فقط لكي يستوعب مرارةَ الصدمة ، لذا كَرِهَ العودة ، قضى سنين عجاف في أرض الغربة ، سنين لا تسمن ولا تغني من جوع ، كان هدفه الأول والأخير ، أن يمر يومه فقط ، يمر بسلام بلا أذى إضافي ، الغُربة صَقلته ، كلما قفزت فكرة العودة الى بَاله ، رَدعها بجملتهِ الدائمة : ( لِما العودة ؟ لا أحد ينتظرك ! ) .
أتالمت وأنت تقرأها؟.

ذات صباح ، كان له زميل في العمل ، قرر العودة لأرض الوطن بعد غربة طويلة ايضا ، رافقهُ للمطار ، ليس لشيء، فقط لأن زميله طلب منه ذلك ، حينما وصلا الى المطار ، إذ بهاتف زميله يرن : ( بابا متى ستأتي ، نحن بانتظارك ، لقد أعدت لك أمي غداء لذيذا ، وقد أخبرتُ كل من في الحي أنك قادم ، أحضر لي طائرة معك ، لا تتأخر بابا ) .
ضحك الأب ملىء فمه ، ثم قال : ( حسنا حسنا لن أتاخر إنني قَادم بُني )

سَمعها ، علقت بذاكرته جملة ( نَحن بانتظارك ) ، كَم تمنى أن يتلقى اتصالا مشابها ، كَيف لكلمة ( بابا ) أن تحمل كُل هذا الكَم الهائل من الطمأنينة ، تمنى أن يعود مع زميله فقط ليشاهد لحظة استقبال عائلته له ، شعر بشيء لم يستطع ترجمتهُ قط ، فَجوة ، شيء مَا خاوٍ به.
وَدَع زميله ، وعاد ، عادَ بحسرة شَاهقة ، لبرهة شعر إنه مجرد حجر في هذه الحياة ، بأنه لا شيء ، بأن كلمة حياة لا تُقال على مايعيشهُ يوميا ، شَعر أن هناك الوان عِدة وهو لا يفقه الا الأسود والرمادي منها ، نظر لجاكيت عمله ، حذاءه ، مَالفائدة من لمعانه؟ شَعر بأنه نَكره ، مَنسي ، هَامش ، منبوذ تماما.

أشعل سيجارة ، أخذ نفسا عميقا ، تحسس ملامح وجهه بيده ، نظر الى هَاتفهِ ، ثم تَمتم قَائلاً:

( أياً يكن ، لا أحد بانتظارك ! )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*